فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 16936 من 35630

إن توقّع فترة جيدة يشكّل سلفًا نصف البهجة. وذلك ممكن بفضل التقاليد. عندما كانت بناتنا صغيرات هيأناهنّ لاستئصال لوزاتهن في إعادة أسطوانة بلا انقطاع تغني بفرح هذه العملية الصغيرة. وكن مستعدات لها حتى إن كان يتسرب ضرب من التهيّب والخشية في استباقهن لها. وكي تعود إلى مواضيع أكثر بهجة، فإن كنت تتوقع أنك ستقضي عطلتك في الجبل ابدأ إذن استعداداتك منذ الربيع. إزرع الحبّة. ليفرح الأطفال مقدّمًا. غذِّ خيالهم وأنت تروي لهم كيف سيجري ذلك. وماذا سيحملون معهم. ومَن يفعل ماذا. الأشخاص الذين يعملون طوال الأسبوع يترقبون الجمعة مساء. ماذا يمكن أن ينتظر الأ"فال الصغارظ هل لهم أيام خاصة بهم؟."

ــــــــــــــــــ

الخصوصية بين الزوجين.. حيرة بين قلبين!

ميرهان محسن

أصارحه بكل شيء أم أخفي عنه كل شيء؟.. سؤال معقد يطرحه كل طرف من طرفي العلاقة الزوجية على نفسه، يبحث عن إجابة تفك طلاسم حيرته وتقوده إلى حل سحري لصداع مزمن يؤرق عقله وقلبه.. هل أخبر شريك حياتي بكل تفاصيل حياتي أم أجعل لي عالمي الخاص الذي لا يشاركني فيه سواي؟!.

بالطبع الحيرة القاتلة هي التي تحكم سيطرتها على مفهوم الخصوصية بين الزوجين؛ فالبعض يرى أن الخصوصية مثل الماء والهواء يجب أن تتاح لكل إنسان، والبعض الآخر يرى أنها كلمة يجب إلغاؤها من قاموس الحياة الزوجية بأي شكل من الأشكال. وما بين الاختلاف والاتفاق يظهر رأي ثالث هو الأقرب إلى الصواب يرى أن التطرف في الخصوصية يدمر العلاقة الزوجية كما يدمرها أيضا التدخل الزائد في شئون الآخرين .. فإلى أي حد يجب أن تصل الخصوصية بين الزوجين؟.

أنانية الزوج

من وجهة نظر خالد فرج (مهندس) ، فإن النساء ثرثارات بطبعهن ولديهن قدر من الفضول يجعلهن يرغبن في معرفة كل كبيرة وصغيرة عن الزوج، وبالنسبة لي فإنني أدرك تماما سيكولوجية المرأة وأن الكلمة الحلوة لها مفعول السحر فيها، لذلك فإنني أحرص على معالجة الأمر مع زوجتي بشكل يرضيها ويشبع فضولها بقدر ما تريد، ولكنني بكل صراحة لا أعترف بأن يكون للمرأة خصوصيتها؛ يمكن أن تسمى هذه أنانية ولكني أنا لا أسمح بأن تُخفي عني زوجتي أمرا ما، صحيح أنني لا أتدخل في تفاصيل ما يدور بينها وبين أسرتها أو بين صديقاتها ولكنني على الأقل لا أقبل أن يخرج الأمر عن هذا الإطار من الخصوصية.

أسامة السيد (مهندس) يؤكد على أن"الخصوصية"حق يستغله بشكل كامل قائلا: أعترف أنني غامض، ربما لأن طبيعتي منذ الصغر ألا أتحدث كثيرا، ومن الممكن أن يكون هذا الغموض منغصا على زوجتي ولكني ماذا أفعل؟

ويستطرد أسامة قائلا: الخصوصية جزء أصيل داخل كل إنسان مهما كانت درجة حبه وثقته في زوجته، ولكن الأمر يبقى نسبيا، وفي تصوري أنه"طالما"لا ضرر من هذه الخصوصية فلا بأس بها.

الصراحة راحة

على العكس تماما يرى مصطفى كامل (رجل أعمال) أن الصراحة مهمة في معظم الأمور بين الزوجين،"طالما"أن الخصوصية ليس فيها أي خطأ أو تجاوزات، فليحتفظ كلا الزوجين بخصوصياتهما في إطار المسموح، وإذا كان من حق الزوج أن يحتفظ بخصوصية خاصة به فلا بد أن يكون للمرأة مساحة من الخصوصية أيضا مع أسرتها وعائلتها وصديقاتها.

وعن قناعته الشخصية فإن وليد اليماني (مهندس) يرى أن إخفاء الزوج عن زوجته شيئا ما عن عمد من شأنه أن يُعطي مؤشرا على مشكلة ما، ولكني إذا كان الأمر طبيعيا ولا يذكره الزوج من قبيل عدم الثرثرة، فإن الأمر يمكن تجاوزه.. وفيما عدا ذلك فإن الزوج يمكن أن يترك زوجته فريسة للشك والارتباك والحيرة وقد يكون بلا داع.

ويضيف وليد:"إن السرية التي لا ترقى لدرجة الخيانة ولا تحمل أي تعدٍّ على خصوصية الزوج المعنوية من الممكن أن يسمح بها البعض، ولكن شريطة ألا تحمل أي تجاوز مرفوض".

الاعتدال أفضل

وبما أن المرأة هي الطرف المعني بالأمر أيضا باعتبارها طرفا شريكا في العلاقة الزوجية، فكان لزاما أن نتوقف عند رأيها في مسألة الخصوصية.

البداية مع د.ريم محسن (أستاذة جامعية) والتي أكدت على أن"مسألة الخصوصية"تبدو بديهية غالبا بين الأزواج ولا يتم الاتفاق عليها مسبقا بين الزوجين، صحيح أن هناك مساحة من الثقة الكاملة ولكن هناك تفاصيل حياتية"خاصة"لكل طرف في الحياة الزوجية، مثل العلاقة داخل العائلة وبعض التفاصيل التي تبقى طي الأسرار والكتمان ولا بد أن تبقى بعيدة عن الزوج، وفي المقابل فمن حق الزوج أيضا أن يكون له صندوقه الأسود، وهذا شأن خاص تماما.

وتؤكد د.ريم على أن الاعتدال في كل شيء مطلوب؛ فالصراحة المطلقة والتكتم المطلق كلاهما مرفوض، فالخصوصية حق لكل فرد ولكن في مؤسسة الزواج مطلوبة باعتدال.

لا للخصوصية

ومن جانبها تؤكد أم يوسف (باحثة في مجال التنمية) على أن طبيعة العلاقة بين الزوجين هي التي تمثل مؤشرا لحجم ومساحة"الخصوصية بين الزوجين، وبالتأكيد فإن العلاقة المرنة بين الزوجين ودرجة التفاهم هي التي تجعل مساحة الخصوصية أجمل وأرقى، والعكس تماما وهذا ما أعيشه كواقع، فمنذ أن تزوجت أجهل راتب زوجي تماما وبصراحة تساورني الشكوك تجاه تصرفاته المالية ولكن للأسف زوجي يبدو -لطول الفترة التي أمضاها وحيدا- أنه اعتاد عليها، ويبدو أنه لم يعتد على شريك آخر رغم مضي خمس سنوات على زواجنا، ولكن رتابة العلاقة جعلت كلا منا له خصوصياته، وأتمنى مع الأيام أن أتخلص منها وأن أحيا مع زوجي"بلا خصوصية"."

المهم الثقة

الخصوصية هي منطقة حرة أسبح فيها بحرية بعيدا عن زوجي، دون أن أرتكب شيئا خطأ أو مخجلا... هذا ما عبرت عنه منال مصطفى (سكرتيرة تنفيذية) قائلة: من الطبيعي أن أسمح لزوجي ببعض الخصوصية، ما دام لا يسيء إلي ولا يجرحني، وهو أيضا بدوره يمنحني ذات المساحة؛ وذلك بناء على الثقة القائمة بيننا.

وتضيف منال: منذ اللحظة الأولى لزواجي تفاهمت وزوجي على أن يظل لكلينا مساحة خاصة في الحياة، صحيح أننا زوجان والحياة بيننا قوامها الثقة الكاملة ولكن علاقتي بصديقاتي وأسرارهن وأسرار أسرتي لا دخل لزوجي بها، كما أنه لا يتدخل فيها أصلا، والأمر ذاته ينطبق عليَّ؛ فعلاقة زوجي بأصدقائه ومشكلاتهم لا أتدخل فيها وهذا يدخل في نطاق أسراره وخصوصياته.

وتستطرد منال قائلة: في تصوري أن المكاشفة التامة بين الزوجين غير مطلوبة؛ لأنها قد تؤدي لعواقب غير محمودة، لذلك فإن الخصوصية"طالما"أنها لا تُسيء إلى الزوج أو الزوجة فلا بأس بها.

خطأ مدمر

ومن وجهة نظر راوية الشيمي (ربة منزل) أن ما يطلق عليه"خصوصية"بين الزوج والزوجة هو أحد أبرز الأخطاء التي قد تدمر الزواج؛ لأن الأمر يبدأ ببعض الأسرار والخصوصيات لكل من الزوج والزوجة، وقد يتطور الأمر مسببا كوارث لا تُحمد عقباها، والمبرر لذلك كما يردد البعض"الخصوصية"التي منحني إياها زوجي،"الخصوصية"التي منحتي إياها زوجتي.

وتعترف راوية أن رأيها يبدو متأثرا بتجربة عائلية لمست أبعادها فتقول: السرية والخصوصية قد تصل أحيانا إلى درجة الخيانة التي تشكل خطرا على الحياة الزوجية؛ ففي إحدى الزيجات وعلى مدى سبع سنوات من الحرية والخصوصية اكتشفت الزوجة أن زوجها يخونها وتزوج بأخرى.

وفى بداية زواجهما اتفقا على أن يكون يوم الخميس والجمعة يوما خاصا للترفيه مع أصدقاء وصديقات كل طرف من الأطراف، وفي الوقت الذي كانت تتنزه فيه الزوجة مع صديقاتها وتقضي يوما آخر مع أسرتها بشكل خاص بعيدا عن الزوج، كان الزوج يقضي يومين مع زوجته الأخرى، ومبرره في ذلك مساحة الخصوصية التي سمحت بها له زوجته.

وبالصدفة اكتشفت الأمر، وعندما صارحت زوجها طالبها بألا تلومه لأنها هي التي منحته مساحة الخصوصية بعدم سؤاله عن أسراره وأين يقضي إجازته ومع من؟ حملت الزوجة أشلاء حياتها الزوجية وهي نادمة على الخصوصية التي منحتها لزوجها وأساء هو فهمها واستغلالها.

وهم كبير

وفى السياق ذاته، فإن طبيعة التنشئة الاجتماعية تلعب دورا بارزا في تأصيل مسألة"الخصوصية".. هذا ما عبرت عنه روشان.م (مبرمجة كمبيوتر) قائلة: إن مسألة"الخصوصية"هي وهم كبير ربما تتداوله وسائل الإعلام والصحف والمجلات ولكن الواقع أمر مختلف تماما؛ ذلك لأن أصول التنشئة الاجتماعية في المجتمعات الشرقية تعتمد أساسا على التفرقة العنصرية بين الذكر والأنثى، وهذا أمر متعارف عليه، فالفتاة مطالبة بأن تكون كتابا مفتوحا ولا أسرار في حياتها ولا خصوصيات في حين أن الذكور يُمنحون كل الحريات والخصوصيات والأسرار، ولا يسألون أين كانوا ولا أين هم ذاهبون؟

وللأسف هذا واقع تربينا عليه وترسخ داخلنا، وبالتالي عندما تنتقل الفتاة من بيت والدها إلى بيت زوجها فإنها تحمل داخلها ذات الخضوع والخنوع، وأن تجلس دائما على كرسي الاعتراف حين تُسأل من زوجها، في حين من غير المقبول أن تسأل هي زوجها عن خصوصياته.. فأي ازدواجية تلك؟.

إيجابيات وسلبيات

ومن وجهة نظرها تؤيد د.مديحة الصفتي أستاذة علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة حق الرجل والمرأة، الزوج والزوجة بأن يكون لكل منهما حقه الإنساني في أن يحظى بجزء من الخصوصية في علاقاته بأصدقائه وأسراره ومادياته أحيانا.. ولكن يبقى هناك فارق كبير بين المفترض والواقع المعيش؛ فالواقع الشرقي يطالب المرأة دائما بأن تكون كتابا مفتوحا أمام زوجها ولا تطالب الرجل بذات الشيء من منطلق أننا نعيش في مجتمع ذكوري.

وتضيف د. مديحة: للأسف مفهوم الخصوصية أصلا عندما يتبادر إلى الذهن فإن النظرة السلبية هي التي تتبادر للذهن بمعنى الخيانة، ولكن الخصوصية تحمل في طياتها معاني ومفاهيم إيجابية عدة. وفى تصور د.مديحة فإن الخصوصية المحدودة بين الزوجين لها إيجابياتها في حين انعكاساتها السلبية يمكن أن تشكل قوة ضاغطة على علاقة كل طرف بالآخر.

أسس العلاقة الزوجية

أما الدكتور أحمد شوقي العقباوي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر فيؤكد على أن الزواج علاقة تُبنى على الثقة والتكافؤ والفهم بين الزوجين، ومتى توافرت هذه السمات الأساسية تكسرت كل الحواجز والجسور بين الزوجين. وبما أن الزواج هو سكن وراحة، فإن وجود سر لدى أحد الطرفين يؤدي لقلق الطرف الآخر.

وعن إمكانية إيجاد مساحة محدودة وآمنة من الخصوصية بين الزوجين يقول الدكتور العقباوي: لنعترف أن الأمر يتوقف على حجم الأسرار ونوعها شريطة ألا يتعدى ذلك كرامة الزوجة أو الزوج.. لا سيما إن علمنا أن الزوج أو الزوجة قد يخفيان بعض الأسرار دون أن يكون ذلك بقصد؛ كصداقات الزوجين أو التصرفات المادية.

وعن الخلاف بين أسرار الزوج والزوجة يرى الدكتور العقباوي: أن أسرار أو خصوصيات الزوج قد تشمل الصداقات أو السهرات مع الأصدقاء أو مساعدة الأهل ماديا. في حين نجد أن أسرار الزوجة أو خصوصياتها ترتبط بماضيها قبل الزواج أو مساندتها لأهلها ماديا.

وعن الانعكاسات السلبية النفسية لخصوصيات الزوجين يقول د.العقباوي: إن الأزواج الذين لا يبوحون بأسرارهم لزوجاتهم يثيرون شكوكهن، وخاصة إن كان الأمر مثيرا للشك والريبة، ناهيك عن القلق الذي يصيبها؛ لذلك فإن الصراحة هي أفضل السبل لسد الذرائع ودرء الشبهات.

ــــــــــــــــــ

المراهق . . . والمراهقة . . كيفية التواصل

كريستين نصار

يعتبر التواصل مع المراهق, وإقامة التبادلات الحياتية والضرورية معه, مسألة غاية في التعقيد بالنسبة للأهل, إذ عليهم بدء إدراك طبيعة الضيق المميز لمرحلة المراهقة في عصر مليء بالقلق والانزعاج.

تشكّل المراهقة مرحلة غاية في الخصوبة, وغاية في التعقيد أيضًا, وتطبع حياة المراهق بشكل شبه دائم, نظرًا للتغيرات العميقة, التي تحصل عنده نتيجة العمل الدءوب, الطويل الأمد والبطيء (تستمر مرحلة المراهقة ما لا يقل عن ستة الأعوام: ما بين الحادية عشرة أو الثانية عشرة حتى الثامنة عشرة من العمر, على الأقل) , الذي ينتهي ببناء شخصية هي دائمًا متمايزة وفريدة من نوعها.

لكن الانبناء المتوازن لهذه الشخصية, يبقى مرهونًا, وبمقدار كبير, بنوعية التواصل الذي تمكن الراشدون ذوو الدور المهم في حياة المراهق وتطوّره - الأهل على وجه الخصوص - من إقامته معه, خاصة أن المراهقة هي مرحلة حاسمة بتطوّر كل فرد, تطورًا مسئولًا غالبًا عن حدوث العديد من التوترات التي تنشأ بين المراهقين والراشدين. لذا, على الأهل وكل مربٍ إيلاء انتباه واهتمام خاصين بموضوع التواصل هذا, كي يعترف المراهقون بهم كأشخاص فلا يخاطبونهم كأعداء.

ما التواصل?

تتم التبادلات القائمة بين المراهقين والراشدين, غالبًا, تبعًا للعفوية الطبيعية المميزة لكل منهم, أي تبعًا لحدس الفرد وطبعه ومزاجه وجهوزيته الحالية لإقامة التبادلات والعلاقات السابقة التي عاشها....إلخ. لذا, قد يعدّل دخول مواقف سابقة عاشها الفرد (انفعالات, أو ردّات فعل معيّنة,...إلخ) , على خط التبادل الحاصل بينهم سير المناقشة دون أن يدروا. بمعنى آخر نقول, قد يكون عند كلّ من المراهقين والراشدين انطباعات متنوعة, لا بل متناقضة, بخصوص النقاش المتبادل نفسه, الأمر الذي يهدّد مجرى التبادلات المستقبلية التي لابدّ من حصولها فيما بينهم بالفشل. ومما لاشك فيه أنه بالإمكان تحسين هذه الوضعية إذا ما تساءل كلّ منهم, الراشدون بوجه خاص: ما العمل للحصول على إصغاء الآخر, وفهمه لما أود قوله له (بخاصة وأنه من المتعين ألا يكون الحوار بمنزلة استجواب أو محاولة لحشر الآخر بوضعية ذنب معيّن, إنما بمنزلة مناخ من الاحترام المتبادل) ?

قواعد التواصل الجيّد

يتكون التواصل بين المتخاطبين من رسائل لفظية, وغير لفظية في آن معا.

والرسائل اللفظية هي عمومًا مباشرة, دقيقة, مختصرة, تشتمل على عدد محدود من المعلومات (أي تبليغ رسالة واحدة فحسب, في كل مرة) , وتنبني تبعًا لقواعد التعبير (أي علم الكلام) .

لكن التبادلات اللفظية تترافق, عمومًا, بالتواصل غير اللفظي: طريقة التعبير الصامت عن الذات الخاصة بكل فرد, النبرات, الإشارات (الإيماءات والحركات الجسدية) , الانفعالات, ردّات الفعل, المواقف,...إلخ, وهذه التعابير تقنّن داخليًا من قبل المخاطب, لذا, من المهم جدًا إدراك المخاطِب مدى تأثير هذه العناصر غير اللفظية على معنى الرسالة التي يود تبليغها, والتنبّه إليها لتعديلها عند الضرورة.

أما أهداف التواصل, فتُحدد منذ البداية وتوجّه التبادلات القائمة بين المتخاطبين.

وبإمكان كل راشد إقامة التبادلات بينه وبين المراهق, تبعًا لهذه القواعد, فيتعلّم هذا الأخير, بالتالي, كيفية التصرّف مع الآخرين بشكل اجتماعي يتميّز بالنضج. وهنا يفرض التساؤل نفسه: ما فائدة الاتصال?

المراهقة هي مرحلة خصبة جدًا, ولحظة فريدة في حياة الفرد إذ ينمّي, خلالها, العديد من الطاقات الجديدة: فتطوّر الفكر عنده, وهو ميزة من مميّزات هذه المرحلة, يمكّنه من تحقيق الاستدلال بشكل أوسع, وبفضل تطوّر اللغة عنده, بالإضافة إلى التبادلات القائمة بينه وبين الآخرين, والقدرة الشخصية على التفكير, سيتمكّن من إدراك, ثم تحمّل, كل التغييرات الجسدية, العاطفية والعلائقية التي يتكبّدها (وهذه التغييرات تشكّل أيضًا, إحدى المميزات الرئيسية للمراهقة) .

تكمن إحدى أهم فوائد الاتصال, بالتالي, في قدرة الكلمات على تطويع هذه التغييرات الحاصلة عند المراهق إذ: بإصغاء الأهل له يُفسَح له في المجال للإصغاء إلى نفسه أو للتعريف عن نفسه, لتطويع ذاته, ومن ثمّ, لإدارة الآراء, ردّات الفعل والمشاعر التي يعيها بفضل تبادل الحديث مع الآخرين. بتعبير آخر نقول: بما أن التحدّث يسمح للمراهق بالتعرّف على نفسه, باكتشاف ذاته, بالتعلّم وبالتخطيط لمشاريع جديدة, من المهم جدًا, بالتالي, أن يقترح الأهل عليه فترات من المناقشة يرافقونه, خلالها, بهذا العمل اللفظي ودون القيام بأحكام سريعة أو ردّات فعل حيّة يمكن أن تفاجئه, وقد تقف حائلًا دون متابعة تواصله معهم.

ومن فوائد التواصل نذكر, أيضًا, قدرته على خلق روابط رمزيّة - تنبني بفضل الكلام والتبادلات اللفظية - مما يسمح للتمخاطبين بالتقارب ذهنيًا, مع بقائهم منفصلين جسديًا (المحافظة على العلاقات القائمة بينهم, مع إمكان المحافظة على مسافة فيزيكيّة معينة أي, إمكان الاتحاد عبر الأفكار, مع المحافظة على الاستقلال الفردي لكل منهم) . تجدر الإشارة هنا إلى رغبة المراهق بالتفاعل مع الراشد, الأمر الذي يتحقق له عبر الحديث, الذي قد يأخذ شكلًا صراعيًا, بحيث نجده يتلاعب بهذا الراشد حينًا, ويغريه أو ينصب له العداء أو يهزأ منه أو يتحدّاه أحيانًا أخرى, مثال, (لا أفهم شيئًا, تقول والدة جان البالغ من العمر ستة عشر عامًا, فابني يبحث عن كل المناسبات لإجراء مناقشة مع أبيه, يود النقاش معه بشكل دائم مع أنّه لا يتفق معه أبدًا ويعلو صوتهما...) : في الحقيقة, يستخدم جان الكلام لإقامة علاقة مع أبيه, حتى وإن لم يكن متفقًا معه. والأب, فهم معنى هذه النقاشات التي لا تنتهي وتقبّلها, لكنه رسم لها حدودًا رمزيّة ينبغي عدم تخطّيها, أي: دون الانزلاق معه, من حيث العدوانية ودون السماح بتشويه التبادلات القائمة بينهما, وبفضل ذلك, تمكّن من جعل ابنه يكتشف تدريجيًا القواعد الكامنة وراء التواصل بين الأشخاص, وعلّمه كيف يدير العدوانية التي تعتمل بداخله.

باختصار نقول, يبقى إمكان تأمين التواصل الجيد رهنًا بالراشد: فكل اتصال قائم بين شخصين أو أكثر يهدف لجرّهما إلى رد فعل أو لتكيّف معين, بالإضافة لمختلف الرسائل اللفظية المنْوي تبليغها بالتتابع, وفي هذا المجال نقول: قد تؤدّي توقعات الأهل والمدرّسين تجاه المراهق إلى تشويه التواصل القائم بينهما حين يأتي سلوك المراهق مغايرًا لهذه التوقعات, بخاصة حين يعيد, بتصرّفاته وكلامه, هؤلاء الأهل أو المدرّسين إلى مراهقتهم, فيحيي عندهم تلك الصراعات الداخلية - مسألة الهويّة والاستقلال الشخصي, الصعوبات العلائقيّة, مثلا - التي لم يتجاوزوها. وهنا, قد يساعدون المراهق على استكمال تنظيمه الداخلي إن أبدوا له أنهم, هم أيضًا, قادرون على وضع أنفسهم موضع التساؤل, وأن لإعادة تحريك الموارد الشخصية هذه, على المستوى النفسي, تأثيرات إيجابية وبنّاءة.

وقد يعيد الراشد - كما في مرآة - ردّات الفعل المكثفة عند المراهق, انفعالاته, تجنّبه للوضعيّات الصعبة...إلخ: فمثلا, لا تأخذ والدة سهام - ابنة الخامسة عشرة من عمرها- الوقت اللازم قبل أن تجيب عن سؤال ابنتها, الأمر الذي يجعلها فريسة الانفعال المكثف نفسه, الذي تعبّر عنه ابنتها: أي تصبح بمنزلة مرآة لابنتها المراهقة وتتصرّف تبعًا لقانون (الكل أو لاشيء) , حيث لا ترى ابنتها بشكل شامل, بل, فقط, تبعًا للفترات التي تمر بها هذه الأخيرة, أي إما تراها جيّدة تمامًا إن كان تصرّفها جيدًا, أو سيّئة تمامًا, إن كان تصرّفها سيئًا - تمامًا مثل ذلك الأب الذي كسر ذراع ابنه ذي الأربعة عشر عامًا لأنه قام بتصرّف سيئ - غنيّ عن القول هنا أن من شأن ذلك تعزيز المواقف المتطرّفة عند المراهق, وإثارة الاضطراب في التبادلات المتعين إقامتها معه من قبل الأهل كراشدين.

ولإرساء ركائز التواصل الجيد مع المراهق وتقديم المساعدة له ننصح الأهل, حين تكون ردّات فعل المراهق متطرّفة, أو حين يغيّر فجأة من موقفه أو سلوكه تجاههم, بما يلي:

1-لاحظوا ردّات فعلكم - إيماءاتكم, الانفعالات التي تشعرون بها, ألفاظكم - وتأثيراتها عليكم وعلى المراهق.

2-حدّدوا, بدقة, سلوكات أو ألفاظ المراهق التي تُحدِث بداخلكم الغيظ, الغضب, التعب, عدم الفهم,...إلخ.

3-ثم, حاولوا إدراك وضبط ردّات الفعل هذه ما إن يقوم المراهق بهذا السلوك.

4-هدّئوا ردّات فعلكم: عن طريق القيام بتمارين استرخاء التنفس والحديث بشكل أبطأ, بالتقاط الأفكار الآلية التي تضايق ذهنكم بهذه اللحظة, وبسرعة إذ تعطون أنفسكم الوسائل الكفيلة بتطوير ردّات فعلكم لدى الكشف عنها: فالأفكار الآلية تنتقل بسرعة النيازك, تجتاز الذهن بسرعة, كما تُنسى بسرعة, إنما تبقى ناشطة, وتحدّد مواقفنا وسلوكاتنا اللاحقة.

وحين يحاول المراهق التواصل لفظيّا معكم, حاولوا أن تكونوا جاهزين نفسيًا له, وذلك بالانتباه للنقاط التالية:

اصغوا له بانتباه وترحيب, ابذلوا جهدًا, إن كان ذلك ضروريًا, اتركوه يتحدث, فربّما يكون بصدد التحدّث مع نفسه بصوت مرتفع, لا ينتظر سوى وجود رفقة, ويتمنّى أن يسمع نفسه, وأن يُسمع قبل أن يتم توجيهه.

انتبهوا لردّات فعلكم غير اللفظية - من مواقف ونبرات ونظرات...إلخ -, لأن المراهق ينظر إليكم ويمكن أن يتوقف عن الحديث, إن لاحظ على وجوهكم تفاجؤًا كبيرًا, أو نفاد الصبر أو عدم الاهتمام,....إلخ.

لا تحكموا بسرعة ولا بتأثر كبير على ما يقوله, لا تهزأوا منه, بخاصة حين يعبّر عن بعض الأفكار التي لا تتلاءم مع آرائكم, مع معايير الحكم الخاصة بكم, أو التي تبدو لكم مُضحكة.

إذا طلب رأيكم, لا تستغلّوا الظرف لترهقوه بخطاب طويل, عبّروا عن رأيكم بشكل منوّع ومتلائم مع الوضعيّات.

لا تجبروه على مشاركتكم مباشرة برأيكم, اتركوا الوقت يفعل فعله, لا تهوّلوا أفكاره ومعتقداته الحالية - أي تركّزون على مظهرها المأساوي-: فهي ستتطوّر بفضل تطوّره, وبخاصة بفضل التواصل اللفظي الذي يقيمه معكم, مع الأقرباء ومع أفراد البيئة المحيطة به.

ولالتقاط المسافة التي تبعدكم عنه, حاولوا مراقبة ردّات فعلكم تجاهه: أتحسّون بنفاد الصبر (لا يمكنني تحمّله بعد...) , (لا أستاهل ولدًا مثله...) ? أو باللامبالاة تجاهه (لا يهمّني...) ! أتميلون لعدم فهمه, لتأنيبه, للشكوى منه (أو منها) , مع أشخاص آخرين? هناك, بالتالي, مسافة تبعدكم عنه وتصعّب عليكم التقرّب منه, لذا, ولتسهيل تواصلكم المستقبلي معه (معها) , هناك أمور لابد من القيام بها مثل: التسليم عليه (حين ترونه للمرة الأولى من النهار) , التخلّي تدريجيًا عن الألقاب التي كنتم تسمّونه (تسمّونها) بها سابقًا, اختيار صيغة السؤال لدى طلب شيء منه, تجنّب إلقاء الأوامر - استخدام صيغة الأمر مثلًا - أو الصراخ عليه أو استخدام التعابير العدائية, التوجه إليه بأكثر ما يمكن من الهدوء, لكن, دون التصرّف بلطف زائد أو بلامبالاة زائدة, عدم تطلب حصول تأثير مباشر نتيجة طلباتكم, إذ من الضروري فسح المجال للمناقشة, للتفكير والاختيار, إنما دون الاسترسال بالجدال معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت