فهرس الكتاب
ـ وشاركوهم بتوفير المتعة فهي من مقومات عملية الابتكار.. لا يخفى أن الاستمتاع بالخبرات والأنشطة التي تنمي الأجسام والحواس يولد أحاسيس سارة ومشاعر طيبة لدى أطفالنا عن ذواتهم وعن الآخرين, الأمر الذي يدفعهم لبذل المزيد من الجهد (ابتكارًا) لتكرار تلك الأحاسيس, وفق فطرة الإنسان التي فطرها الله عليه في الميل إلى ما يسره والبعد عما يؤلمه: ( علموا أولادكم السباحة والرماية, ومروهم فليثبوا على الخيل وثبًا)
-وعلينا تهيئة الظروف المناسبة لانفتاح أطفالنا على عالمهم الداخلي والخارجي.. تذكرًا وذاكرة.. إحساسًا ومعرفة.. اندماجًا وتفاعلًا.. استكشافًا وتجريبًا (إنتاج تشكيلات جديدة ومبتكرة أو حل مشكلات متفاوتة الصعوبة/ التناقض) , وتعلماُ غير مباشر من الأحداث اليومية وتنمية الحوار والاستفسار وحق الإجابة, ومشاركتهم بارتياد أماكن ومواقف تثير فضولهم وحواراتهم.
-عبر حثهم المتواصل على التأمل في إبداع الله تعالى في كونه, وحسن تدبيره وتقديره تعالى في مخلوقاته, فإحساسهم وتذوقهم للجمال (إن الله جميل يجب الجمال) يساعدهم على تمثل ملكات التناسق والتوافق والتكامل والروعة وهى من مقومات عملية الابتكار.
-ودون ضيق أو تبرم أو إجبار على أسلوب معين في حل المشكلات, يجب تنمية طرق التفكير السليم, وهى متعددة, لدى أطفالنا ومساعدتهم على الاحتفاظ بأفكارهم الخاصة عبر تسجيلها في يومياتهم أو بطاقاتهم, ليتم البناء عليها لاحقًا ومعرفة مدى تطورهم في هذا الجانب.
تقويم النفس
-ارشدوا أطفالكم إلى كيفية تقويم أنفسهم وتفاعلاتهم في البيت وفى المدرسة ومع الأصدقاء تقويمًا إيجابيًا وليس سلبيًا, حتى وإن جانبهم الصواب في بعض الأحيان, فيتعلموا من أخطائهم فكل بني آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون.
-ولا تنسوا مكافأة أطفالكم عندما يأتون بأفكار جديدة, مع تقدير مجهوداتهم ومبتكراتهم وإن صغرت, واحترام مواهبهم ورعايتها الرعاية الكافية.
-وعبر الاعتماد على خبراتهم السابقة والمزاوجة بينها وبين خبرات الراشدين.. شرقًا وغربًا.. تقليدًا ثم ابتكارًا, يمكنكم مساعدة أطفالكم على تنمية قدراتهم على الإنتاج المفيد لهم ولغيرهم ولبيئتهم, مع توفير الظروف المساعدة (بعيدا عن التشتت) , وتلبية الاحتياجات والمواد اللازمة لتنفيذ أفكارهم المبتكرة.
-حسن اختيار دور التعليم ذات المناهج والإدارة التي تشبع الحاجات والميول, وتنمي المواهب والطاقات مع التعاون والمتابعة الجادة للأبناء في مدارسهم وجامعاتهم فيما بعد.
-ويبقى على المجتمع العربي المسلم دوره المهم في إبراز احترامه وتقديره للعلم والعلماء والمبتكرين, وتوفير السبل وتذليل العوائق أمام المبتكرين من أبنائنا, والإكثار من الجوائز الممنوحة لهم.. تكريما وتشجيعًا, وعبر صدارتهم لوسائل الإعلام.. قدوة واقتداء.
جملة القول: كم هي السعادة والغبطة والحبور عندما يجد الآباء والمربون ثمرة تربيتهم, وحصاد جهدهم, يرون أطفالهم وأبناءهم مبتكرين ناجحين مرموقين, يحققون ذواتهم كما يسهمون في نهضة ورقي مجتمعاتهم وأمتهم.
ــــــــــــــــــ
الخلافات بين الزوجين وكيف نتعامل معها؟
هالة حلمي
مثل الثمار الطيبة التي يمكن أن يدب فيها الفساد، تكون الحياة الزوجية،
وهناك ما يمكن تحاشيه، وهناك ما يمكن عمله، حتى لا تفقد الثمرة طيبها.
يدب بالفشل أحيانا في الحياة الزوجية، وإحدى صوره الخلافات المتزايدة وإدمان الكراهية و"اللا تفاهم"، فينخر السوس في عظام هذه الحياة حتى تصبح هشة تخفف آلامها المسكنات، ولاسيما التضحية من أجل البقاء، والهدف استمرار الزواج شكليًا من أجل الأبناء.
ولكن مرض الفشل موجود.. موجود، إلى أن تنهار الأسرة وتتصدع بعد وقت قريب أو بعيد، وعلى أية حال، لا يعني الاستمرار النجاح.
فهل نقتلع هذا الفشل من جذوره، أو نقومه أو نتحمله تحت شعار"من أجل الأبناء"؟، وهل تصبح الحياة، عندئذ، مناسبة حقا لأبنائنا، بؤرة الاهتمام؟! نستطلع في ذلك رأي العلم والدين والقانون.
* السؤال للدكتورة فؤاده محمد علي مدرسة علم النفس الاجتماعي بمعهد الدراسات العليا للطفولة: هل يمكن أن نجمل بعض أسباب الخلافات نجمل بعض أسباب الخلافات الزوجية؟
-من الصعب الفصل بين الأسباب الاجتماعية والأسباب النفسية لهذه الخلافات ومن ضمن الأسباب الاجتماعية التي يتصاعد معها عدم التفاهم بين الزوجين:
أولا: الفجوة في المستوى الاجتماعي بين الزوجين كأن يكون أحد الزوجين من الريف والآخر من الحضر، هنا تتباين عادات وتقاليد كل منهما الأمر الذي قد يخلق الصراع بينهما في بعض المعاملات.
ثانيا: الاختلاف الشاسع في المستوى الفكري والعلمي لأحد الزوجين أو حصوله على درجات علمية تفوق الآخر، وهذا من شأنه أن يخلق هوة في التواصل بين الزوجين وفي عملية خلق الأفكار المشتركة.
ثالثا: الظروف الخارجية لكليهما، فالحياة مليئة بالمشاكل والضغوط الاجتماعية المختلفة ولاسيما مشاكل العمل والعلاقات مع الآخرين، كذا خلافات أحد الزوجين مع أهله مثلا.
ونسأل د. فؤادة: إذا اعترفنا بضرورة وجود خلافات زوجيه لأنه لا يوجد زواج دون خلاف، فكيف نقلل حدة هذه الخلافات؟
-أرى ألا تبدأ الحياة الزوجية بكم كبير من التجاوزات وضرورة التقارب في معظم المواصفات لكلا الزوجين، وكما نقول إن"مرآة الحب عمياء"وأحيانا تصور المشاعر الرومانسية لدى الإنسان ان لديه مقدرة على التجاوز عن عيوب الحبيب، فهناك بعض الاختلافات لا يجوز التغاضي عنها لاسيما الفروق السنية الكبيرة بين الزوج والزوجة فهذا الاختلاف من شأنه خلق مشاكل عديده كأن يفوق الزوج زوجته بفارق سني كبير يصعب معه الاتفاق مثلا.
وتضيف د. فؤادة: ودورنا كأهل خبرة وعلم أن نلجأ لنوع من توعية الزوجين ويتم ذلك عن طريق العيادات النفسية، ولا يعيب الزوجين التردد على هذه العيادات لحل مشاكلهما الزوجية التي يستعصي عليهما حلها كتلك المشاكل التي تسببها أعراض نفسية معينة لدى أحد الزوجين مثلا.
من المؤكد أن تصاعد الخلافات الزوجية يتولد عنه نتائج اجتماعية سلبية للزوجين، وللأبناء، خاصة أن الأسرة هي اللبنة الأولى لبناء المجتمع فهل يمكننا تحديد بعض هذه النتائج؟
-القيم التي يتعامل بها الأزواج تنتقل إلى الأبناء، فكيف إذن أعبر عن حبي لأبنائي وأنا غير سعيدة، أو لا أشعر بالحب من الطرف الآخر؟.
فالأم المستقرة في زواجها تغذي طفلها حبا وحنانا والعكس، وكذلك الحال بالنسبة للأب فحين يأخذ الاهتمام الكافي يهتم بأبنائه ويغمرهم بقدر من الحب والاحترام وحين أحترم طفلي ينشأ لدّي طفل محترم لذاته والعكس صحيح.
كذلك يمكنني أن أقول أن بروز العدوان داخل الأسرة من النتائج السلبية للخلافات الزوجية، فأحيانا تخرج الأم عدوانها ضد أبنائها حين يستضعفها الأب ونسمى هذه الحالة"التفريغ الانفعالي"، مثال ذلك أن تلجأ الأم إلى ضرب أبنائها بكثرة فهي تعاني من ضرب زوجها لها ولا تدري أنها تفرغ انفعالها من ضرب زوجها لها في أ بنائها.
إذا تصاعدت الخلافات الزوجية واستطاع كلا الزوجين تحمل سوء عشرة الآخر فهل يُفضل استمرار الأسرة وسط هذا الجو المشحون بالمشاكل، أو نرجح الانفصال، واضعين في الاعتبار مصلحة الأبناء؟
-تقول د. فؤادة:"كلاهما مر"، فأبغض الحلال عند الله الطلاق، واستمرار الزواج وسط كم كبير من المشاكل يدفع ثمنه الأبناء. وأرى أن كل طفل يجيء إلى الحياة يأتي معه حقه في كل الحب وكل الاهتمام، لكن شعور الأبناء الدائم بالتهديد بانهيار الأسرة من قبل أي من أبويه، يطحن عظامه ويقلل من ثقته في ذاته. أما الطلاق فهو يصدم الأبناء بحياة جديدة مجهولة الأبعاد.
وإذا استمر الزوجان وسط هذا الجو المشحون بالخلافات فيجب أن تكون لديهما القدرة الكافية على التحمل دون أن نحمّل الأبناء ذنب التضحية. وإذا استحالت العشرة فلا بد أن يتمتع الوالدان بوعي كامل عن كيفية التقليل من كم الضرر النفسي الواقع على الأبناء كأن نغمرهم بقدر زائد من الحب من جهة الأبوين لنعوضهم عن تشتت الأسرة . ولكن العملية نسبية وتعتمد على الشخصيات ودرجة الوعي وحب الأبناء، إذا يهمنا في النهاية مصلحتهم.
ويتحدث د. حسن الخولي أستاذ علم الاجتماع كلية البنات - جامعة عين شمس - عن الأسباب الاجتماعية للخلافات الزوجية فيقول: إن أسباب هذه الخلافات اجتماعية نفسية اقتصادية. فالحياة الاجتماعية محصلة للتداخلات. وقد تحدث هذه الخلافات لأسباب خاصة بالزوجين كعدم الحب، أو الحب الزائد، أو تدخل الأهل مثلا.. إلخ.
وثمة أسباب اقتصادية خاصة بالإنفاق مثلا، وأسباب نفسية نتيجة علاقات داخلية للزوجين، أو التصادم في أساليب تربية الأبناء. ناهيك عن بعض العلاقات الاجتماعية المتسببة في نشوب هذه الخلافات ولا سيما علاقات الجيران أو العمل.
ويعد التكافؤ من أم مقومات نجاح الحياة الزوجية، التكافؤ العمري، التكافؤ في المستوى التعليمي إضافة إلى تقارب المستوى الطبقي والمادي، وكلما زادت التناقضات زاد احتمال التوتر والخلاف.
وكيف نقضي على شر هذه الخلافات؟
-يقول د. حسن: لا يوجد بيت مثالي وجميع البيوت تعيش الخلافات والتوترات. بعض الخلافات عابرة وليست مقلقة. وللوقاية من تزايد الخلافات لأبد من:
-عدم إشراك الآخرين في المشاكل الزوجية، لأن تدخل الأهلي مثلا قد يزيد حدتها.
-التفاهم، والتفاهم حول كل شيء وعدم العناد والبعد عن الأنانية.
-كذلك الاحترام المتبادل، فالزواج ليس معركة، إنما سكن ومودة ورحمة.
وإذا علمنا أن الشخصية السوية نتاج الأسرة الهادئة، وأن الخلافات الزوجية تؤثر بشكل سلبي الأبناء، وفي الزوجين لحاولنا تقدم من التروي والتفاهم الوصول بالأسرة إلى الهدوء لأن استمرار الخلاف من شأنه أن يجعل الأبناء في حالة دائمة من التوتر والقلق الأمر الذي نعتبره ضد التنشئة الاجتماعية السليمة وقد يؤدي إلى آثار نفسية مرضية.
ويرجح د. حسن الخولي الانفصال في حالة تزايد الخلافات الزوجية ويعتبره علاجا لأن استمرار المرض دون علاج يؤدي إلى تفاقمه فإما التفاهم وإما الانفصال وهو آخر الحلول.
وتوجهنا بسؤالنا إلى المستشار أحمد هاني: هل يمكن أن تتصاعد الخلافات الزوجية لتصل إلى ساحات المحكمة؟
-يقول: يتوقف الأمر على سلوك الطرفين، ويعود للمنشأ والعادات والتقاليد والبيئة فبعضهم يحلها بشكل ودي وغيرهم يلجأ إلى المحاكم.
ونوعية الخلافات التي يعالجها القانون؟
-خلافات مثل: سوء عشرة الزوج كالضرب والسب والهجر.
ومن وجهة نظرك: هل يمكن أن تستقيم الحياة الزوجية بعد اللجوء للمحاكم ؟
-هذه بداية النهاية ولا يعود الصفاء للحياة الزوجية، والقضاء لا يعيد المياه إلى مجاريها. وأفضل الحلول الصُلح السلمي ذلك لأن تقاضي الزوجين يؤثر في الأبناء ويشعرهم بعدم الأمان.
هل ثمة قوانين تحمي الزوجين وتحد من تصاعد الخلافات الزوجية؟
-هناك قوانين الأحوال الشخصية بأسرها مثل ( قوانين النفقة الزوجية، نفقة المتعة، ونفقة العدة) وتوجد قوانين عقوبات تتعلق بالشق الجنائي مثل ( الضرب، والسب، والقذف، والإهانة) .
حين تختلف القيم
يفسر د. عادل عز الدين الأشول أستاذ ورئيس قسم الصحة النفسية كلية التربية جامعة عين شمس ومدير مركز الإرشاد النفسي بعض الأسباب النفسية الكامنة وراء الخلاف بين الزوجين: فيقول الأسباب النفسية للخلافات الزوجية تتلخص في:
-عدم تناسق الاتجاهات بين الزوجين ولا سيما الميول والرغبات كأن يميل أحدهما إلى الانطلاق والمرح والآخر يميل إلى الانطواء والتقوقع، أيضًا التباين في المشاعر والأحاسيس بأن يكون أحد الزوجين رومانسيا والآخر يميل إلى الواقعية البحتة.
-المرض النفسي من شأنه أن يحدث خللا في الحياة الزوجية، مثلا قد تتصور الزوجة أنها ستعتمد على زوجها ماديا ولا تجده أهلا لذلك، هنا قد تعاني نفسيا لأنها نظرت إليه على أنه كفيلها يصونها ويساندها نفسيا وماديا ومعنويا.
-عدم اقتناع أحد الزوجين بالآخر نعتبره بداية الاختلاف، فمع العشرة تظهر بعض الخصائص الشخصية لكل الزوجين فيبدو لأحدهما ان هذه الصفات الشخصية لا تروق له كأن يكون أحد الزوجين بخيلا، أو مبذرا.
-مفهوم الذات لدى كل من الزوجين يؤثر في التوافق في الزواج فمثلا قد يعلي أحد الزوجين من ذاته فيقترب من الغرور أو الثقة الزائدة، وقد يحقر أحدهما أيضًا من ذاته فيصيبه الإحباط الدائم، كل هذا يؤدي إلى اضطراب العلاقة.
-صورة الأب وصورة الأم لدى الزوجين: فالزوجة لا يمكن أن تكون صورة من أم الزوج وهو ما ينشده بعض الأزواج في زوجاتهم، الأمر الذي يخلق مشاكل عديدة فلا الزوجة تريد أن تتشبه بأم زوجها في كل شيء ولا الزوج يريدها كما هي.
-عدم النضج النفسي والاجتماع لأحدهما أو كليهما بمعنى عدم الاستقلالية عن الأسرة وعدم الاعتماد على النفس بما يجعل عملية تحمل مسئولية الحياة الزوجية غاية في الصعوبة.
وماذا عن التأثير النفسي الذي تتركه الخلافات الزوجية في الأبناء؟
-يقول د. عادل: إن تزايد الخلافات يولد لدينا أبناء مضطرين سلوكيا لافتقادهم المثال فالابن عادة المثال والده، والابنة المثال أمها، ولكن في ظل وجود الخلافات يفتقد الأبناء القدوة مما يؤثر في صحتهم النفسية وقد يصاب الابن بانطواء نفسي، اكتئاب أو توتر.
-تؤثر هذه الخلافات في المستوى الدراسي للأبناء وينتج عن ذلك أبناء متخلفون دراسيا. وبرغم ذلك فإن تأثير الخلافات في الأبناء نسبي ويختلف طبقا للفروق الفردية مثل ( السن، النوع، قدرات التحمل) .
وينصح د. عادل الأشول بضرورة أن تتم عملية الاختيار الزواجي على أسس معينة حبذا لو كانت أسسا دينية لأن هذه الخلافات تصبح أقل.
ويضيف: تتم في الخارج عمليات إرشاد نفسي وبيولوجي واجتماعي للزوجين قبل الزواج وأثناءه، ذلك لأن عملية الانتقال من بيئة لأخرى تتطلب تغييرا في كثير من العادات السلوكية، فكلما كان الإنسان قادرا على التخلي عن العادات السلبية التي لا تتفق والزواج لا سيما العادات ( اللا مسئولة) مثل ( الاستهتار بمواعيد الخروج من المنزل والعودة إليه، قلل هذا من احتمالات فشل الزواج ومن تزايد الخلافات.
وهل تتفق والرأي الذي يحبذ استمرار الزواج برغم الفشل التام من أجل نمو الأبناء في أسرة متكاملة؟
-أرى أن الاستمرار أفضل من الانفصال لأن المطلق لا يعيش مُطلقا طوال عمره فيشعر الأبناء أنهم في المنزلة الثانية الأمر الذي يعرضهم لاضطرابات نفسية.
سؤالنا الأخير لـ د. عادل: هل ثمة خلافات يصعب معها الاستمرار؟
-الخلافات القيمية هي أشد أنواع الخلافات ولا سيما الخيانات الزوجية.
* ونختتم موضوعنا عن الخلافات الزوجية باستطلاع رأي الدين، إذ لم تغفل الشريعة الإسلامية التطرق إلى الخلافات الزوجية، وآدابها وكيفية حلها بالقرآن والسنة.
كان لقاؤنا مع فضيلة الشيخ محمد عبدالرحمن الواعظ بالجمعية الشرعية بالقاهرة لكي نسأله عن الطريقة المثلى لحل الخلاف بين الزوجين طبقا لما جاء في شريعتنا الإسلامية؟
-فيقول: فيما يتعلق بكيفية حل الخلاف فقد بينت الآية الكريمة كيفية الحل إذ قال الله تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما حكيما .يقول تعالى إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما مما يوحي بتحبيذ التوفيق: وعن أبن عباس رضي الله عنهما: أمر الله تعالى أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ورجلا مثله من أهل المرأة فينظرا أيهما المسيء فإن كان الرجل هو المخطئ حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة وأن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز.
وما زلنا نؤكد ونرى أن العملية (نسبية) فيما ينطبق على زوجين لا ينطبق على غيرهما من الأزواج، وما قد يعانيه الأبناء في أسرة مفككة ومنشقة قد لا يعانيه أمثالهم في أسر مماثلة.
ويظل الوضع الأفضل هو اتقاء الكسر قبل ان يقع واختيار أبواب تظل مفتوحة.
ــــــــــــــــــ
الإفراط في تحمل الابن المسؤولية ..لماذا؟
قد يكون الابن الأكبر أو الأشطر هو الأب الروحي لأخوته فيتحمل مسؤوليتهم بدافع الواجب ، إنه لا ينشأ مضحيًا هكذا ولكن الأسرة هي التي تبث فيه هذا الشعور دون أن يعوا أنهم هكذا يظلمونه .
أحيانًا لا يقوى هذا الابن على معارضة أهله ومعاندتهم، ليصبح ومن دون تكليف رسمي ملزما دائما بأعباء الأسرة على حساب أموره الخاصة وحتى أحلامه المستقبلية، وكأن قدره الغرق في العمل وحمل الهموم ليستفيد من عمله أشقاؤه الذين يتقاعدون عن المسؤولية لا مبالين، ما دام غيرهم يقوم بها بحجة أنهم غير قادرين على القيام بما يقوم به الأخ الشاطر أو المتفاني.
تؤكد"سهى هاشم"اختصاصية علم الاجتماع"أن الخلل في توزيع المسؤوليات بين الأولاد يبدأ من الوالدين، وليس ضروريا كما يتبادر إلى الأذهان أن يكون العبء منوطا بالابن البكر فقط، إذ نلاحظ أحيانا أن هذا الابن يحصل على امتيازات أكثر مما يلزم بواجبات، وتحديدا في المجتمع الشرقي".
أما عن سبب اعتماد الأم على من يبدي استعدادا للمساعدة من دون تذمر أو شكوى، على أساس انه الابن الشاطر، فتقول"سهى هاشم"- حسب ما ورد بجريدة الشرق الأوسط:"الأم هي الأكثر حاجة إلى المساعدة، لذا تجد في الابن القادر على تحمل المسؤولية منقذا وداعما، وتتجه إليه تلقائيا. والأمر ليس بالضرورة سيئًا، فالصداقة التي تنشأ بين الاثنين تصبح وثيقة ومريحة لهما مع الوقت، لاسيما إذا لم تقترن بسلوك استغلالي أو باستقواء من طرف على آخر". لكن الوضع قد يتحول حساسا عندما نجد الابن (أو الابنة) مكلفا على الدوام بالذهاب إلى الدكان لشراء ما تحتاجه العائلة في حين ينصرف أخوته إلى ألعابهم أو يجلسون أمام شاشة التلفزيون ويتابعون برنامجهم المفضل. كما نلاحظ أن الابنة التي تتبرع برعاية شقيقها (أو شقيقتها) ، الصغير في غياب الأهل تصبح مع الوقت ملزمة بهذه المهمة وعليها التوفيق بين تأديتها ومراجعة دروسها. والفتاة التي تشعر بتعب والدتها وتسارع إلى مساعدتها في الأعمال المنزلية، لا تملك بعد ذلك إعلان رفضها أو تخليها عن وظيفتها الجديدة. وتقول إحدى الفتيات أن أمها لم تكن تنادي سواها إذا احتاجت إلى مساعدة، وكأن شقيقاتها الباقيات"بنات الست"وهي وحدها"ابنة الجارية"أو سندريللا، لكن من دون أمير سيحضر لإنقاذها.
ويرى"وليد طراف"أستاذ علم النفس، أن هذا الإحساس ينطلق من عقدة الاضطهاد التي"تسود بعض الأسر، وهي عقدة لا تكون حقيقية في كل الأحوال. فالأهل يتصرفون من دون خلفية، لكن التباين هو في طبع الأولاد وتنوع شخصياتهم. ولأن مجتمعنا الشرقي لا يولي أهمية للأحوال النفسية لأفراده، قد يتأزم الولد من تراكم سلوكيات معينة، ولا يجد طريقة للإعلان عن احتجاجه، فيتحول غضبه إلى شعور بالاضطهاد، تكفي كلمة لطيفة في حينه لإزالته. وتجدر الإشارة إلى أن المجتمع الشرقي يعتبر الولد قاصرا وتابعا لأهله ولا يحق له الاعتراض على تصرف معين من أهله حياله. لذا ينصاع علنا ويراكم عقده سرا".
وسرعان ما يفرض هذا الوضع واقعا جديدا في يوميات الأسرة. وبعد حين يصبح بديهيا الطلب إليه تنفيذ كل كبيرة وصغيرة، بحيث يصل إلى مرحلة يشعر معها بالاضطهاد والظلم ويتضخم إحساسه بأنه مستغل ويتم التعامل معه على أنه استثمار، وكأن دوره هو العطاء فقط. فيعاني من كونه صاحب واجب لا صاحب حقوق أسوة ببقية أفراد العائلة. وإذا قصّر في العطاء قد ينال لوما أو توبيخا أو عقابا عاطفيا في صغره وكبره. صحيح أن هذا الضغط يبلور كفاءته ويمنحه قدرة على انجاز ما يوكل إليه من مهمات ببراعة وسرعة وإتقان، لكن الصحيح أيضا أن الآخرين يعتادون عليه في هذا المستوى من الأداء، يحولونه إلى كائن اقرب إلى الكمال ولا يسمح له بضعف بشري وإلا كان الشعور بالذنب من نصيبه. تصادر إرادته لتصبح الطلبات أوامر مموهة، يستحيل عليه رفضها. وما يزيد من هذه المعاناة الصامتة في معظم العائلات التي تعيش هذا الوضع أن تحمل المسؤولية من قبل احد الأبناء يعني لمن حوله انه يقوم بواجباته لا أكثر ولا اقل، ونادرا ما يسمع كلمة شكر أو ثناء لما يقدمه، إلا في حالات إظهاره بعض التبرم وذلك لإعادة شحنه وتجديد توريطه.
وقد لا يقتصر الأمر على ابتزاز الابن الشاطر بالكلام المعسول ورفع المعنويات، إذ غالبا ما تترافق هذه الظاهرة مع أخرى أخطر، وهي الغيرة من شطارته، ولا تكون النتيجة محاولة للتنافس معه وتقديم الجهد العملي لإزاحته من موقعه، إنما يصار إلى تسخيف ما يقوم به أو حتى اتهامه بأنه يسلب الآخرين دورهم ويدخل انفه في ما لا يعنيه أو يدعي مثالية أو يعتقد انه الأقدر على تقديم نصيحة أو معلومة، مستثمرا مكانته بهدف إرضاء حبه للسيطرة والاستحواذ على تقدير والديه واحترامهما.
ويعتبر"طراف""أن الأهل الواقعين أصلا تحت وطأة ظروف حياتية ضاغطة قد يسيئون التصرف، فيعتبرون أن ما يبذله الولد هو تحصيل حاصل، لا لزوم لإطرائه أو تشجيعه أو حتى الاهتمام به انطلاقا من انه قوي وصلب، فيهملونه مقابل الاهتمام بالأخوة غير المسئولين، الذين يحصلون على أكبر نسبة من التشجيع لقاء أتفه الأمور. وذلك في سعي لتحسين قدراتهم وحثهم على مزيد من التقدم، وتحديدا في مسيرتهم المدرسية، فلا يوكلون إليهم أي مهمة ويمهدون لهم الأجواء حتى يتمكنوا من الدرس بهدوء وتركيز".
وغالبا ما تنعكس تداعيات هذا الوضع مع تعاقب السنوات. الابن يكبر وتكبر معه مسؤولياته، إذ لا تعود مقتصرة على الطلبات الصغيرة، إنما يدخل حاملا نصيبه من المسؤولية إلى العالم الحقيقي. فيجد نفسه مرغما على تقديم العون المادي لجميع أفراد الأسرة وغالبا ما يناط به تولي حالات الطوارئ والقيام بالمهمات الصعبة التي يتهرب منها باقي أفراد العائلة. وتترافق هذه الوتيرة مع كل ما يحيط بها من تبعات، ليصبح الاستغلال الأخوي أكبر والغيرة أشد واللامبالاة مدموغة بالأنانية. وقد تؤدي هذه التبعات إلى أزمات نفسية واجتماعية معقدة يصعب التعامل معها، سواء من جهة الأهل الذين يقعون حينها في مطب التمييز بين الأبناء أو لجهة الأبناء أنفسهم الذين تتخذ علاقاتهم منحى عدائيا في السر وعاديا في العلن.