الصفحة 110 من 166

على المرء أن يتعلم من الكتاب ولو كثر خطؤه، فإن كثرة العلم مع كثرة الخطأ أفضل من الجهل مع قلة الخطأ؛ لأن الجاهل أصلًا قليل الخطأ فهو لا علم عنده.

فالمقصد من ذلك هو تحصيل العلم، فإذا حصل العلم لدى الرجل يقال عالم، يقال قد علِمَ الرجل وصار عنده العلم، ولا يُسأل كما قال الشاطبي -في المقدمة التي سبقت-:"ولا يقال من أين اكتسبه وقد حصل"، ولكن يناقش العلم بحيث يثبت أو لا يثبت بعد تحقق حصوله، أما كونه لم يحصل بطريقة مخصوصة؛ فهذه طريقةٌ يبطلها الشاطبي.

ثمَّ: هل هناك أحاديث تدل على فضيلة العلم من الكتب؟ حديث الوِجَادة، أنه يأتي قومٌ فيأخذون صحفًا معلقة، هذا دليل، وقد احتج به العلماء على تلقي العلم عن طريق الوِجادة؛ فيجد كتابًا ويأخذه.

وهؤلاء المتأخرون الذين ملؤوا الدنيا كتبًا؛ أين مصادرهم وروايتهم؟

الإجازة في هذا العصر

وأُنبّه لقضية وهي قضية"الإجازة"في هذا العصر، صارت الإجازة مهزلةً حقيقة! صارت معرّةً وعيبًا لأنها طريقة هزلية، كأن يذهب طالب علم عند شيخ فيجلس معه يومًا أو يومين فيقرأ معه مقدمة البخاري ويقرأ حديثًا أو حديثين في البخاري، ويسأله سؤالًا، ثم يقرأ مقدمة صحيح مسلم، جلسة تمتد أربع أو خمس ساعات يومًا أو يومين، وبعد ذلك يعطيه إجازة مرويات هذه العلوم، فهل حصلت القراءة؟؟ هذه مهزلة في الحقيقة!

والاحتجاج بهذه الطريقة؛ أن الإسناد من الدين، وأن هذه طريق الإسناد، هذا كذب! الإسناد الذي قاله الناس في زمانهم غير هذا الإسناد الذي تفعلونه!

وهذا ليس كلامي، هذا كلام الأئمة في العصور المتأخرة، وممن شكا من هذا وتكلّم عليه أنه مهزلةٌ وأنه صار ألعوبةً الذهبي. يجلس عنده فيعطيه مرويات كل الكتب! ولذلك ألّف بعضهم"مشيخات"، وهي طريقة فيها فوائد عظيمة، ولكن هذا البرنامج (المشيخة) كمشيخة ابن الجوزي، يؤلّف كتبه ويُعرِّف هذه الكتب كيف تلقّاها، فلما يعطي التلميذَ الإجازة يربط هذا التلميذ بسنده في كل الكتب، ولا يكون ربما قد اطّلع عليها أو سمع بها! وصار الناس يفتخرون بها!

وقد كان توثيق النسخة من المهمات العظيمة في حصول الإجازة، كون هذه النسخة هي المقصودة أن ينظر فيها ويقرأها، ولكن كيف حصلت؟ ماهي النسخة التي تتوثّق بها؟ ربما تكون النسخة في زماننا هذا غير مطبوعة ومفقودة الأصل المخطوط، إذن الدعوة الآن لهذه الطرق هزلية، وينبغي على الناس أن يتورّعوا عنها وعلى طلبة العلم أن يترفّعوا عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت