الشَّرِيعَةِ لَيْسَ كَتَحَقُّقِ التَّابِعِينَ، وَالتَّابِعُونَ لَيْسُوا كَتَابِعِيهِمْ، وَهَكَذَا إلى الأن، وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ، وَأَقْوَالَهُمْ، وَحِكَاياتِهِمْ؛ أَبْصَرَ الْعَجَبَ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَأَمَّا الْخَبَرُ؛ فَفِي الْحَدِيثِ: (خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) ""
وهذا الحديث لا يصح بهذا اللفظ.
"وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إلى أَنَّ كُلَّ قَرْنٍ مَعَ مَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أولُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبْرِيَّةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ عَضُوضٌ) ، وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا مَعَ قِلَّةِ الْخَيْرِ، وَتَكَاثُرِ الشَّرِّ شيئا بعد شَيْءٍ، وَيَنْدَرِجُ مَا نَحْنُ فِيهِ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ."
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ قَالَ:"لَيْسَ عَامٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، لَا أَقُولُ عامٌ أمطرُ من عام، ولا عامٌ أخضبُ مِنْ عَامٍ، وَلَا أَمِيرٌ خَيْرٌ مِنْ أَمِيرٍ، وَلَكِنْ ذَهَابُ خِيَارِكُمْ وَعُلَمَائِكُمْ، ثُمَّ يَحْدُثُ قَوْمٌ يقيسون الأمور برأيهم؛ فيُهدم الإسلام ويُثلم".
وَمَعْنَاهُ مَوْجُودٌ فِي"الصَّحِيحِ"فِي قَوْلِهِ: (وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ؛ فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأيهِمْ، فيَضِلّون ويُضِلّون) .
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ؛ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ". قِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ:"النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ) .
وَفِي رِوَايةٍ: قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (الَّذِينَ يَصْلُحُونَ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ) .""
وبهذا ننتهي من قراءة شيء من المقدمات في (الموافقات) ، وهي مُحرِّضةٌ لكم لقراءتها كلها -إن شاء الله سبحانه وتعالى-.
وجزاكم الله خيرًا وبارك الله فيكم، ولا يغرّنا الآن فقط أن نأخذ قواعد علم أصول الفقه ولكن أن نستوعبه ونعرف قيمة هذا العلم، ونرى تطوره وكلام العلماء حوله، وأي فائدةٍ يجنيها المرء إذا صار أصوليًا.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.