فقوله: لمن علمه يفيد أن الخلاف في هذا النوع يمكن أن يقع من جهة تحقيق المناط، يوضح ذلك ما قاله ابن تيمية:
"وَإِنَّمَا قَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ هَلْ هُوَ قَطْعِيُّ السَّنَدِ أو لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ؟ وَهَلْ هُوَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ أو لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ؟":
-أي يمكن أن يحصل الاختلاف-، وقال أيضًا:
"وَكُلُّ مَنْ كَانَ بِالْأَخْبَارِ أَعْلَمَ قَدْ يَقْطَعُ بِصِدْقِ أَخْبَارٍ لَا يَقْطَعُ بِصِدْقِهَا مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ، وَتَارَةً يَخْتَلِفُونَ فِي كَوْنِ الدَّلَالَةِ قَطْعِيَّةً لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ هَلْ هُوَ نَصٌّ أو ظَاهِرٌ؟"
الفرق بين النصي والظاهر: كلاهما في الدلالة على المراد سواء من جهة البيان، ولكن النص -ستأتي أمثلته- هو ما سيق اللفظ من أجله، والظاهر: لم يُسَق اللفظ من أجله ولكن سيق من أجل غيره فجاء هو تَبعًا، فمن الأمثلة على الظاهر: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة/275] ، هل هي في دلالتها على تحليل البيع وتحريم الربا بيِّنة؟ نعم بينة، ولكن قالوا هنا تحريم الربا ثبت بنصٍ - أي متن- ظاهر، وأما قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} قالوا: هذا اللفظ سيق من أجل أن يُعرِّفك فرض الصلاة، ولكن الآية الأولى لم تُسَق من أجل تحريم الربا وإنما سيقت للرد على من قال باستواء البيع والربا، هذا المقصد، فجاء الكلام ذاك في داخله مع أنه واضح في دلالته كوضوح قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} .
الفرق ليس في دلالة اللفظ على المراد، لكن الفرق في سياقه؛ هل سيق من أجله أم سيق من أجل غيره فكان تبعًا.
"وَإذا كَانَ ظَاهِرًا فَهَلْ فِيهِ مَا يَنْفِي الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ أو لَا؟":
لأن النص والظاهر ما لم يكن مُحكَمًا ومُفسَّرًا فإنه يدخل فيه الاحتمال، الاحتمال المعارض أو الاحتمال الناسخ ..
"وَهَذَا أَيْضًا بَابٌ وَاسِعٌ فَقَدْ يَقْطَعُ قَوْمٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِدَلَالَةِ أَحَادِيثَ لَا يَقْطَعُ بِهَا غَيْرُهُمْ، إمَّا لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا ذَلِكَ الْمَعْنَى أو لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْآخَرَ يَمْنَعُ حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ أو لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ."
وأما النوع الثاني وهو الدليل الظني فهو ما كانت دلالته ظاهرةً غير قطعية أو كان ثبوته غير قطعي":"