لكن بعد أن نقرأ المحاولات العظيمة التي قام بها ابن القيم في قضية ردّ دعوى مخالفة النص للقياس، نجده يتحدّث عن مراتب الأدلة في أبواب جديدة، وهي دخول المصلحة، هو"دور المصلحة". وكان شديدا في رد دعوى مخالفة النص للقياس، ومع ذلك لا نأخذ عباراته على إطلاقها، مثل قول أنه:"وحيثما كانت المصلحة كان حكم الله"، العبارة بهذا الإطلاق لا نقبلها، أو قوله:"تتغير الفتوى والأحكام بتغيُّر الأزمان".
هذه العبارات لابن القيم لما نُطبّقها على فتاواه؛ لا نجد فيها هذا الفتح العام، وهنا نقطة سبق وذكرتها في مقالات (بين منهجين) ، وهي أن علينا أن نتعامل مع نصوص الأئمة مع ظرفها التاريخي والزماني، بخلاف تعاملنا مع الكتاب والسنة، فلا يخصُّنا ولا يهمُّنا الظرف فيه، لأنها كلمات مُطلقة وجوامع للكلم، وهي حاوية للحق من أي وجه جئتها، بخلاف كلام الأئمة؛ فإنه عليك أن تأتيه من الظرف الذي نشأ فيه.
وابن القيم في فتواه لا يتوسّع هذا التوسع الذي أطلقه في ردوده على أهل الرأي قولهم أن النصوص تُخالف المصلحة؛ فحين يقول أن الحكم قد يتغير بتغير الزمان، هل هذا مطلق، أم هو بتعامل نص آخر فيه، وتغير الزمن أدى إلى تغير الحادثة لوجود مُعارض لها، يعترف به النص الآخر؟
إذن هذه في الحقيقة ميّزة لهذا الكتاب لا تجدها في غيره، صحيح أن ابن تيمية -عليه رحمة الله- قد كتب الفصل الأول وهو (رد على من يقول مخالفة النص للقياس) ، ولكن لابن القيم فضيلة وضع هذا المبحث مع المبحث الآخر الذي تكلمنا عنه، وهو تغيُّر الفتوى بتغير الأزمان، وقوله:"حيثما كانت المصلحة فثم حكم الله"، وهو بهذا حاول أن يصوّب مسيرة الفقه بالنظر إلى الواقع مع إعمال النصوص التي تُلائم كل الواقعة.
وضرب أمثلة عظيمة جدًا في هذا الباب -وإن كانت متأخرة في البحث، وهي في كتاب (الحِيَل) -، منها: لماذا غيّر عمر -رضي الله عنه- الفتوى أن الطلاق بالثلاث في مجلس واحد جعلها من واحدة إلى ثلاث؟ يجب علينا أن نرجع للفتوى الأولى، فقارن بين الزمانين، بحيث ترى وتُسلّم بما قاله عمر، وتُسلّم بما قاله ابن تيمية في عصره؛ للدّوافع الجديدة التي دخلت على الواقعة التي تُوجب عليك تغيير الفتوى. فهذه من ميزاته -عليه رحمة الله- في (إعلام الموقعين) .
الميزة الثانية: تقسيمه للأحكام؛ لما جاء للمُحرّم لذاته والمحرّم لغيره، فأعطانا نظرة جديدة لقضية مراتب الحكم -وهذه مرتبة يجهلها الظاهرية ولا يعترفون بها، ويعتبرون كل النصوص