ولو وجد غرارة ملأى لم يكن بأس أن يشتريها بدينار، ولو جاءه بغرارة فقال له: املأ لي هذه الغرارة بدينار لم يكن فيه خير [1] .
قال ابن رشد: هذا كما قال:"إنما يجوز شراء ذلك جزافًا إذا لم يقصدا فيه إلى الغرر بأن يجده جزافًا في وعاءٍ أو غيره فيشتريه كما وجده، فالفرق بين شراء الطعام يجده في المكتل أو الغرارة جزافًا بدينار وبين قوله: املأ لي ذلك ثانية بدينار - أن الأول لم يقصد إلى الغرر إذا اشتراه كما وجده جزافًا."
والثاني قصد إلى الغرر إذا ترك أن يشتريه بمكيال معلوم فاشتراه بمكيال مجهول، ولا يجوز الشراء [2] بمكيال مجهول إلا في موضع ليس فيه مكيال [3] معلوم على ما قاله في"المدونة"ودلّ عليه قوله في هذه الرواية: إن كان في موضع فيه مكاييل، فلما كان لا يجوز أن يقول له ابتداءً املأ لي هذه الغرارة بدينار إذ لا يعلم مبلغ كيلها لم يجز أن يقول ذلك بعد أن اشتراها ملأى كما وجدها إذ لا يعلم كيلها فتقدّم شراؤه إياها جزافًا.
ولو قال رجل لرجلٍ صبّر لي من طعامك هاهنا صبرة وأنا أشتريها منك جزافًا لما انبغى أن يجوز ذلك؛ لما فيه من القصد إلى الغرر على قياس ما قلناه [4] . انتهى.
وبه - والله تعالى أعلم - يجاب عن قول المازري: وقد يهجس في النفس أنه لا فرق بين ما أجازوه ومنعوه، إذ لا يختلف حزر الحازر لزيتٍ في قارورة أو لقدر ملئها زيتًا. ويأتي قول ابن يونس إن شاء الله تعالى.
وعلى ما قال ابن رشد عوّل شيخ شيوخنا أبو القاسم التازغدري فيما بلغنا عنه أنه أفتى بمنع: جزّف لي وأشترى منك. فقيل له فما تري في الجزار المسمى بالقماط [5] الذي يصبّر اللحم صبرًا للبيع كل صبرة بدرهمين مثلًا، فيأتيه الرجل فيقول [65 / أ] له: زدني على هذا
(1) في (ن 3) : (بأس) .
(2) في (ن 3) : (الاشتراء) .
(3) في (ن 3) : (مكيل) .
(4) انظر: البيان والتحصيل، لابن رشد: 7/ 400 وما بعدها.
(5) في (ن 1) : (القساط) .