ابن عبد السلام مخالفًا فِي ظاهره؛ لقوله فِي آخر كتاب الرجم من"المدونة": وإِن أقرّ القاضي أنّه رجم أَو قطع الأيدي أَو جلد؛ تعمدًا للجور قيد منه [1] . عَلَى أن ابن الحاجب تابع لابن شاس [2] وابن شاس تابع للإمام المازري؛ فإنّه قال: لَو أن القاضي علم بكذب الشهود، [فحكم بالجور وأراق هذا الدم كَانَ حكمه حكم الشهود] [3] إِذَا لَمْ يباشر القتل بنفسه، بل أمر بِهِ من تلزمه طاعته، ولو أن ولي الدم علم بكذب الشهود فِي شهادتهم، وبأن [4] القاضي علم بذلك فقتل المشهود عَلَيْهِ بقتل وليه لاقتص منه بلا خلاف، عند المالكية، والشافعية. وقول أبي حنيفة: لا يقتل [5] كالشهود، خيال فاسد. انتهى.
وبعد ما عضد ابن عرفة ما فِي"المدونة"بأن مثله فِي النوادر من رواية ابن القاسم، ومن رواية ابن سحنون عن أبيه: أن ما أقر بِهِ القاضي من تعمد جور أَو قامت عَلَيْهِ بِهِ بينة يوجب عَلَيْهِ القصاص قال: قد يفرق بين هذه المسائل ومسألة المازري بأن محمل هذه المسائل: أنّه أقر بالعداء [6] والجور دون استناد منه لسبب ظاهر، وهو [7] فِي مسألة المازري مستند فِي الظاهر لسبب، وهو البينة المذكورة، والاستناد إِلَى السبب الظاهر وإِن كَانَ كاذبًا له أثر وشبهة، كقوله فِي"المدونة": إِن لمن قذف، وهو يعلم من نفسه صدق قاذفه فيما رماه بِهِ أن يقوم بحدّه [8] خلافا لابن عبد الحكم.
(1) انظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: 4/ 421.
(2) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: 3/ 1059.
(3) ما بين المعكوفتين ساقط من (ن 1) .
(4) في الأصل: (وأبان) .
(5) في الأصل: (بقتل) ، وفي (ن 1) : (يقبل) .
(6) في الأصل: (أقرت بالعد) .
(7) في (ن 2) : (وهي) .
(8) انظر: المدونة، لابن القاسم: 16/ 214 ونصها: (سئل عن الرجل يقال له: يا زاني، وهو يعلم من نفسه أنه كان زانيا، أترى أن يحل له أن يضربه أم يتركه؟ قال: بل يضربه ولا شيء عليه) ، وانظر: تهذيب المدونة، للبراذعي: 4/ 477.