ودين الإسلام وضع العقل في ميزانه الصحيح بعيدا عمن عظم العقل وبجله و جعله إله مشرعا حاكما، ومن خذل العقل وأماته بأمراض الخرافة والخيال.
فالقرآن الكريم نصب للعقل خيمة التفكير والتأمل والتدبر وأتاح له ممارسة المقارنة والموازنة بين الأشياء، ومهد له الطريق بالإشارات الدلالية إلى الأسرار الكامنة حوله في الكون والمخلوقات وهو طريق يفتح له آفاق علمية وإبداعية تعينه على الوصول إلى الحق.
ولو أننا تأملنا منهج القرآن الكريم في التربية العقلية ثم حاولنا تطبيق هذا المنهج الرباني في حياتنا الواقعية والاستفادة منه في تربية النشء على المنهج القرآني الصحيح، لاستطعنا بحول الله العودة بالناشئة المسلمة إلى جادة الحق.
العقل في القرآن الكريم:
قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} ... سورة الحج22/ 46
وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبك وأعمالكم) [1]
كثر الجدل والكلام في التفريق بين العقل والقلب، وأيهما هو المناط في التكليف، فقيل أن العقل موجود في مركز القلب، وهو الذي يقوم بتوجيه الدماغ لأداء مهامه،"فالقلب هنا وحدة الفهم والإدراك والفقه والسيطرة، واتخاذ القرار في الإنسان وهو مناط التكليف في الإنسان، ومن ثم فإنه محل النظر والاعتبار من الله تعالى" [2] .
قال النبي صلى الله عليه وسلم: في حديث النعمان ابن بشير رضي الله عنه حيث قال: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه إلا وإن لكل ملك حمى الأ وإن حمى الله محارمه، الأ وإن في الجسد مضغة إذ صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب) [3]
وقيل العقل عقلان عقل في الرأس وعقل في الصدر. وقيل بل الذي في الصدر هو البصيرة قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا َوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) سورة الحج،22/ 46"أي ليس العمى عمى البصر وإنما العمى عمى البصيرة".
وهذا الخلاف خلاف قديم، ولا يحتمل الإطالة في موضوع هذا البحث، ولكن يمكننا إيراد قول واحد للجمع بين مفهومي القلب والعقل في القرآن الكريم وهو أن معناه الكني عند الله تعالى، وأما ما جاء في معنى الآية، فقد فسر العلماء
(1) صحيح الإمام مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره 4/ 1968
(2) ،د. إبراهيم الديب، البرنامج العلمي لبناء المسلم القرآني المعاصر (المجموعة العربية للبحوث والدراسات والتطوير، الدوحة -القاهرة) ص109
(3) صحيح الإمام البخاري، كتاب الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه وأمانته 1/ 28،25