"و للقرآن سرُّ خاص على النفوس حتى يبلغ أن يؤثّر بتلاوته المجرّدة على الذين لا يعرفون العربية، وعلى العوام الذين يستمعون إلى تلاوته لا يطرق عقولهم منه شيء، لكن يطرق قلوبهم إيقاعه ويظهر على ملامحهم سره،" [1]
وهو سر غلب سائر ما عرفته البشرية بوجه عام، والعرب البلغاء بوجه خاص من أساليب في تربية النفوس وتزكيتها، و احتارت عنده العقول، وذابت لأجله القلوب، ووقفت عنده البشرية عاجزة عن إدراك كنه أو معرفة سره، يستوي في ذلك من سمعه، وصدقه وآمن به، أو من سحر به، ولكنه كذب على نفسه وفر إلى كفره.
فهذا عمر _رضي الله عنه_ يقول:"فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلت الإسلام."
وهذا الوليد بن المغيرة يقول لكفار قريش: فوالله ما منكم رجل أعلم مني بالشعر، ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلوا وما يعلى" [2] "
وهي خاصية تتسلل إلى داخل النفوس، وإن اختلفت مضامينها، وأهدافها بطريقة سهلة بسيطة لتثير في كل نفس دافعية تدعوه إلى الإيمان، والعمل، وتتوافق مع فطرته الخاصة، و تختلف عن دافعية النفوس الأخرى.
وهذه الدافعية عرفها علماء النفس بأنها:"ما يدفع الفرد للقيام بنشاط سلوكي ما وتوجيه هذا النشاط نحو وجهة معينة سعيا وراء تحقيق الهدف" [3]
وهذه الدافعية كما قلنا تختلف من شخص لشخص لأن الفروق بين الناس"حقيقة ثابتة: فبالرغم من أن جميع الناس يخضعون لنفس القوانين السيكولوجية في النمو والإدراك والتفكير والتعليم إلا أنهم يختلفون في ذلك، فكل شخص له نمطه الخاص به" [4]
والقرآن الكريم في خطابه التربوي يثير الدافعية للاستجابة لدى جميع الأشخاص رغم اختلافهم باثارة ما يمكن أن نسميه مفتاح الخطاب لكل نفس بما يناسبها.
يقول المتخصصون في الدراسات النفسية"أن لكل إنسان عاطفة سائدة وهي العاطفة الغالبة التي"توجه سلوكه إلى ناحية معينة وتكون لها الزعامة والسيطرة على غيرها من العواطف" [5] "
وهو ما سيكون تركيزنا على بيانه بإذن الله خلال هذا الفصل لإعطاء أمثلة متنوعة من أساليب القرآن الكريم للتربية والتي تقوم على إثارة أنواع متعددة من العواطف السائدة والمتوافقة مع الفطرة التكوينية للبشر.
الأساليب التربوية في الخطاب القرآني:
(1) من دلائل الإعجاز العلميّ في القرآن والسنّة - د. موسى الخطيب - المكتبة المصرية - ط1 2004
(2) المصدر نفسه ص13
(3) عرف جمعة، مذكرة في علم النفس الإسلامي، ص85
(4) المرجع نفسه ص113
(5) محمد السيد الزعبلاوي، تربية المراهق بين الإسلام وعلم النفس، ص320