الصفحة 156 من 372

ألف فيه بعد الهاء وكذلك عملهم ذلك في كل القرآن [1] . ويرى الرازي [2] أن المهاد مصدر في قوله: (ألم نجعل الأرض مهادا) من وجوه:

الأول: أن يكون المراد الممهود، وهذا من باب تسميه المفعول بمصدر كما ذكرنا. والثاني أن تكون الأرض وصفت بهذا المصدر كما يقال زيد جود والثالث: أن يكون المراد ذات مهاد ويرى أبو عبيد [3] : المهاد اسم والمهد مصدر وقال بعضهم [4] : هو جمع مهد ككعب وكعاب والمشهور في جمعه مهود.

والصواب في هاتين القراءتين عند الطبري [5] أن يقال إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار مشهورتان فبأيهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيهما. أما علاقة هذه القراءات بالتفسير العلمي الحديث لو قرئت الآية بالمهد أو المهاد على أنها مصدر مهد فإنها سوف تدل على المبالغة وزيادة تلك الصفة سواء كان المقصود بالمصدر المفعول لأن العرب حينما تعدل من المفعول إلى المصدر إنما تريد الزيادة في تلك الصفة أو أن يكون المصدر باقيًا على مصدريته غير منقول مبالغة في الوصف أو أنها ذات مهد كل هذه المعاني تطابق ما توصل إليه العلم الحديث كما وجدنا وسيظل مدلول هذا النص يتسع ويتعمق ويتكّشّف عن آفاق وامديات كلما اتسعت المعرفة وتقدم العلم.

وهكذا نجد مدلولات كثيرة لحقيقة (وجعل لكم الأرض مهدا) وهذه المدلولات الحديثة تضاف إلى المدلولات التي كان يدركها المخاطبون بهذا القرآن أول مرة. [6]

وإن كان المقصود بالمهد اسمًا توصف به الأرض لأن الناس يتمهدونها ويسكنون فيها كالمهد الذي يعرف فسميت به وفي الآية حينئذ تشبيه بليغ لأسباب منهم من قال لأن الأرض تحتضن الناس كما يحتفظ المهد بالصبي فالأرض ممهدة لكل ما يحتاج إليه الناس للعيش وعلى التشبيه الذي ذكره الأستاذ الفاضل الدكتور أنيس الراوي يكون التشبيه أيضًا بحركة المهد وبهذا فالتشبيه هنا يدل في قوله مهدًا على معنى أخر لم يدل عليه لفظ الفراش وهي حركة الأرض ولم يكن يعلم السابقون أن الأرض تتحرك لذا فقد يكون عدم تفسيرهم المهد بهذا المعنى لأنه لا يمكنهم التفسير بمعانٍ تخالف ما يعلمون في زمانهم من أن الأرض ساكنة مستقرة كما فسروا قوله تعالى (الله الذي جعل لكم الأرض قرارًا) [7] والذي سنتناوله لاحقًا.

(1) ينظر جامع البيان 16/ 174 التبيان في إعراب القرآن 2/ 122 كتاب السبعة في القراءات 1/ 418 الجامع لأحكام القرآن 11/ 209 أنوار التنزيل 2/ 646 الحجة في القراءات السبع 1/ 241 حجة القراءات 1/ 453 إرشاد العقل السليم 6/ 21، 8/ 40 روح المعاني 16/ 206.

(2) ينظر أسرار التنزيل 243.

(3) روح المعاني 16/ 206

(4) المصدر نفسه 16/ 206.

(5) جامع البيان 16/ 174.

(6) ينظر في ظلال القرآن 5/ 3178.

(7) غافر / 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت