أن الأرض ليست كروية أما الآلوسي [1] : فيقول أن معناه كالبساط وليس فيه دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كروية كما في البحر وغيره لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ما يليه مسطحًا.
وذهب البعض الأخر [2] أن معنى قوله تعالى (بساطًا) أي مبسوطة.
التفسير العلمي لهذه الآية:
هذا البساط الذي مد و فرش هو القشرة الأرضية، أي تلك الصدفة التي تصلبت والتي نسكن ونعيش فوقها، أما الطبقات التحتية للكرة فهي ساخنة جدًا وسائلة [3] وقد بينا ذلك سابقًا.
الضابط اللغوي لهذه الآية:
في هذه الآية استدلال على عظمة الخالق وليشكروه على نعمه وهذا الاستدلال محسوس وملموس لأن كل إنسان يلمس هذا ولا يمكنه الفرار من هذه الحقيقة القريبة من مشاهداته وإدراكه تواجهه مواجهة كاملة فهذه الأرض مبسوطة أمام الناظر وممهدة [4] وكما يراها قوم نوح في ذلك الوقت ويشعرون بها فهذا الاحتجاج لا يخالف إدراكهم ومستوى علمهم كما لا يخالف هذا الاحتجاج ما توصلت العلوم من معرفة أن الأرض كروية لأن في هذه توجيه أنظار الناس إلى نعم الله وأنها كالبساط يتقلبون عليه كما يراها كل من عليها ما يليه مسطحًا مهما سار لعظم هذه الكرة وليس في هذه الآية دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كروية كما استدل بعظهم كما ذكرنا.
ومعنى جعل في هذه الآية بمعنى هو النقل من حال إلى حال والتصيير فيتعدى إلى مفعولين. [5] وتوسيط (لكم) بين جعل ومفعوليه مع أن حقه التأخير من الاهتمام ببيان كون المجعول من منافعكم والتشويق إلى المؤخر فأن النفس عند تأخير ما حقه التقديم لا سيما عند كون المتقدم ملوحا بكونه من المنافع تبقى مترقبة له. [6] أما قوله تعالى (بساطا) فنجد قسمًا من المفسرين ذهبوا إلى أن معناه كالبساط والبساط ما يفرش للنوم عليه والجلوس فالإخبار عن الأرض بساط تشبيه بليغ، أي كالبساط ويرى ابن عاشور [7] أن وجه الشبه تناسب سطح الأرض في تعادل أجزائه بحيث لا يوجع أرجل الما شين ولا يُقِضَّ جنوب المضطجعين، وليس المراد أن الله جعل حجم الأرض كالبساط لأن حجم الأرض كُروي، وقد نبه على ذلك بالعلة الباعثة في قولهم (( لكم ) )، والعلة الغائبة في قوله (لتسلكوا منها سبلا) وحصل من مجموع
(1) روح المعاني 29/ 76.
(2) ينظر الكشاف 2/ 1289 الجامع لأحكام القرآن 18/ 306 تفسير النسفي 3/ 594 تفسير الجلالين 769.
(3) هندسة النظام الكوني 123.
(4) ينظر المشاهد 44 في ظلال القرآن 6/ 3715.
(5) ينظر البرهان في علوم القرآن 4/ 130.
(6) إرشاد العقل السليم 29/ 97.
(7) ينظر التحرير والتنوير 29/ 205.