الصفحة 168 من 372

فمدلولات النص مجملة يفصلها العلم - فيما اهتدى إليه حتى اليوم - تفصيلًا يمد في مساحة النص القرآني في الإدراك فهو يشير إلى هذه الحقائق العلمية التي ذكرناها ليعيها كل فرد وكل جيل بالقدر الذي يطيق وبالقدر الذي يبلغ إليه علمه وملاحظاته. [1]

ولا يقتصر هذا التوسع في مدلولات الآية فقط وإنما يشمل الصورة التي ترسمها الآية من خلال تشبيهاتها الدقيقة التي توحي بالمعاني العلمية التي لم تكن معروفة حينها.

فقوله تعالى (ذلولا) بوزن فعول للمبالغة في الذل. [2] وهو ما يستوي فيه المذكر والمؤنث وقد استعير للأرض في التذليل والانتفاع بها مع صلابة خلقتها تشبيهًا بالدابة المسوسة المرتاضة بعد صعوبة على طريقة مصرحة. [3]

فالأرض هذه التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة هي دابة متحركة رامحة راكضة مهطعة وهي في الوقت ذاته ذلول لا تلقي براكبها عن ظهرها، ولا تتعثر في خطاها ولا تخضه وتهزه وترهقه كالدابة غير المذلول. [4]

أما قوله تعالى (فامشوا في مناكبها) أي مناحيها وجوانبها على التشبيه. [5] لأن أصل المنكب مجتمع ما بين العضد والكتف واستعماله فيما ذكر على سبيل الاستعارة التصريحية الحقيقية وهي قرينة المكنية في الأرض حيث شبهت بالبعير كما ذكره الخفاجي ثم قال فإن قلت كيف تكون مكنية الفرد الخارجي وهو غير مذكور فيجوز كون (ذلولًا) استعارة حينئذ هي مدلول الضمير لا مصرح بها في النظم الكريم والمانع في الاستعارة ذكر المشبه بعينه لا بما يصدق عليه. [6]

وجمع المناكب تجريد للاستعارة لأن الذلول لها منكبان و الأرض ذات متسعات كثيرة. [7]

ولعل (مناكب) يوحي بمعانٍ أخرى وهو الميل كما جاء في اللسان شبه الميل وكما جاء في الصحاح: والنكب داء يأخذ الإبل في مناكبها فتظلع منه وتمشي منحرفة. وكما معلوم أنه يوجد ميل في محور الأرض بمقداره 23.5ْ ولولا هذا الميل لما نشأت الفصول الأربعة التي تترتب عليها دورة النبات وقد أشار الله تعالى في نهاية الآية (وكلوا من رزقه و إليه النشور) .

الأرض كفات الاحياء والأموات: قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا) . [8]

(1) ينظر المصدر نفسه م6 29/ 3638.

(2) ينظر البحر المحيط 10/ 225 روح المعاني 29/ 14.

(3) ينظر التحرير والتنوير 29/ 32.

(4) ينظر في ظلال القرآن 6/ 3637.

(5) ينظر محاسن التأويل 16/ 244.

(6) ينظر روح المعاني 29/ 14 - 15.

(7) التحرير والتنوير 29/ 32.

(8) المرسلات / 25 - 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت