أصل مادة الكتاب:
إذا قمنا بتفكيك مادة"البداية"سنقف على عناصر مختلفة من أصول متعددة ترجع إلى كتاب الله عز وجل وكتب الحديث والسنن وكتب الفقه والخلاف وكتب أصول الفقه بالإضافة إلى مصادر يصعب ضبطها مثل الثقافة الشخصية لابن رشد وتكوينه العلمي والفلسفي ورصيده اللغوي والأدبي وتأثير البيئة المحيطة به اجتماعيا وسياسيا وغيرها من العوامل المشتبكة.
"الاستذكار"أم مصادر"البداية"وأصل مادتها:
قبل تفصيل الكلام في مصادر"البداية"، لا بد من الوقوف على ما صرح به ابن رشد بخصوص مصادره في هذا المجال، فقد قال رحمه الله في آخر كتاب الطهارة وقبل أن يشرع في الصلاة: (فهذا هو الذي رأينا أن نثبته في هذا الكتاب من المسائل التي ظننا أنها تجري مجرى الأصول وهي التي نطق بها في الشرع أكثر ذلك أعني أن أكثرها يتعلق بالمنطوق به إما تعلقا قريبا أو قريبا من القريب وإن تذكرنا لشيء من هذا الجنس أثبتناه في هذا الباب وأكثر ما عولت فيما نقلته من نسبة هذه المذاهب إلى أربابها هو كتاب الاستذكار وأنا قد أبحت لمن وقع من ذلك على وهم لي أن يصلحه والله المعين) [1]
فهو بهذا التصريح يفرض على الباحث في مصادر مادة كتابه، الرجوع بداية إلى"الاستذكار"قبل الحكم برجوعه إلى أي مصدر من المصادرالأخرى، وفي الوقت نفسه يجعل الحسم صعبا في بعض المواطن التي يتشابه فيها النقل بين ابن عبد البر (ت463هـ) وابن رشد، فيما يرجح أن تكون مصادر مشتركة، غير أن تقدم الأول والنقل الكثير للثاني عنه يغلب رجحان مصدرية"الاستذكار"على الاستقلال بالإطلاع على المذاهب والأقوال إلا ما تأكد مجيئه بعد ابن عبد البر.
ويستحسن ذكر بعض المصادر التي صرح بها ابن عبد البر في"الاستذكار"باعتبارها مصادر بشكل ما لابن رشد ومنابع غير مباشرة للبداية. فابن عبد البر يحيل لمن أراد التوسع والتفصيل بالرجوع إلى كتبه فذكر منها: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد [2] والذي قال فيه ابن حزم هو كتاب في الفقه والحديث ولا أعلم نظيره [3] ، وهو أصل مادة"الاستذكار"الذي يعتبر مختصرا له. وكتاب الإنصاف فيما بين العلماء في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم من الاختلاف [4] ، وكتاب جامع بيان العلم وفضله [5] ، وكتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب [6] ، وكتاب الإشراف على ما في أصول فرائض المواريث من
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 64
(2) الاستذكار ج: 1 ص: 15
(3) كشف الظنون ج: 2 ص: 1907
(4) الاستذكار ج: 1 ص: 436
(5) الاستذكار ج: 1 ص: 33
(6) الاستذكار ج: 1 ص: 39