كما أنه لا يبخل بذكر فائدة الاختلاف في بعض المسائل، ليكون حافزا على معرفة سببه وتعلم موضع استخدامه مثل قوله في وقت وجوب زكاة الفطر بعد تحديد سبب الخلاف (وفائدة هذا الاختلاف في المولود يولد قبل الفجر من يوم العيد وبعد مغيب الشمس هل تجب عليه أم لا تجب) [1] وقوله في ميقات زمان الحج بعد أن أورد الاختلاف فيه (وفائدة الخلاف تأخر طواف الإفاضة إلى آخر الشهر) [2] .
وعموما نجد الحس التعليمي حاضرا بقوة، رغم أن صاحب الكتاب ذكر في مقدمته بأنه بصدد إثبات ما فيه لنفسه، فإنه يورد ألفاظ التعلم والتعليم بشكل صريح. يقول: (فإذا أريد أن يكون القول في هذه(مسائل الصلاة) صناعيا وجاريا على نظام، فيجب أن يقال أولا فيما تشترك فيه هذه كلها. ثم يقال فيما يخص واحدة واحدة منها. أو يقال في واحدة واحدة منها. وهو الأسهل.
وإن كان هذا النوع من التعليم يعرض منه تكرار ما، وهو الذي سلكه الفقهاء ونحن نتبعهم في ذلك. فنجعل هذه الجملة منقسمة إلى ستة أبواب .. ) [3] وكذلك قوله في كتاب الفرائض (والتعليم في هذا يمكن على وجوه كثيرة قد سلك أكثرها أهل الفرائض. والسبيل الحاصرة في ذلك بأن يذكر حكم جنس جنس من أجناس الباقية من الوارثين) [4] ، وبعد بسطه للمسائل المشهورة التي وقع الخلاف فيها والمسائل المنطوق بها في الشرع المتفق عليها والمختلف فيها بين أن تعلمها ومعرفتها يجري مجرى الأصول في النوازل والمسكون عنه (ويشبه أن يكون من تدرب في هذه المسائل وفهم أصول الأسباب التي أوجبت خلاف الفقهاء فيها أن يقول ما يجب في نازلة من النوازل .. ) [5] سواء على مذهب من المذاهب وإن لم ينقل عن صاحب المذهب في ذلك قول أوبحسب الحق الذي يؤديه إليه اجتهاده.
في أثناء تناولنا لمختلف المطالب المكونة لمبحث"منهج ابن رشد في البداية"، تعرضنا لكثير من الجوانب التي لها علاقة بالأسلوب، سواء تعلق الأمر: بحرص ابن رشد على الموضوعية، وعدم إطلاق الأحكام، وطريقته في الترجيح والانتقاد، وسيادة الروح العلمية النقدية، والطابع المنطقي لتسلسل الأفكار، وأسلوبه التعليمي الذي يعتمد: التدرج، والانتقال من الإجمال إلى التفصيل، ومن السهل إلى الصعب، ومن البسيط إلى المركب، ويعتمد أحيانا الشرح والتفسير.
أما ألفاظه فدقيقة واضحة تناسب المجال الفقهي وإن كانت أحيانا تعلوها مسحة أدبية رفيعة، وتراكيبه رصينة متأنية تجيء مع الألفاظ على قدر المعاني، ولا يشعر القارىء بأي تكلف بل يجد أسلوبا مرنا سهلا محكما خاليا من التعقيد، فصاحب"البداية"يتجنب الإطالة المملة، والاختصار المخل بالمعنى، وإذا أسهب أحيانا لانت
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 206
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 238
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 87
(4) بداية المجتهد ج: 2 ص: 254
(5) بداية المجتهد ج: 2 ص: 290