ألفاظه وتراكيبه وتبقى شخصيته قوية وبارزة تصاحبك طول الكتاب لا يغمرها تعدد الأقوال وكثرة الآراء.
يتأدب مع الأئمة وعامة الفقهاء فلا تجد في الكتاب سبا ولا شتما ولا حدة أو توتر مزاج، يتحاشى التهجم على مخالفيه، ولا يغرق في الحجاج والمخاصمة، بل لا تشعر أبدا بأن له خصما بعينه، يبالغ في التواضع ويحتاط في العبارة ويكثر من قوله"أحسب" [1] "فيما علمت" [2] "فيما أذكر" [3] ،"فيما أظن" [4] وقال مرة"أنا الشاك في الكسر" [5] تأكيدا منه على الصدق والأمانة، وعندما لا يكون متأكدا من أمر يشعر القارىء بذلك مثل قوله: (فلعله إنما أوجب) [6] ومرة يشعرك وكأنه يملي من حفظه مثل قوله: (والحجة للقول الأول ما في كتاب البخاري أظنه في بعض رواياته، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(وكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم فإنه لا ينادي حتى يطلع الفجر) [7] وقوله: (وفروع هذا الباب كثيرة لكن الذي حضر منها الآن في الذكر هو ما ذكرناه) [8] .
وإذا أحس بأن مقصده لم يتضح بما فيه الكفاية، زاد في التفصيل والبيان مثل قوله: (والسبب في اختلافهم تشبيه الزكاة بالديون، أعني أن يتعلق الحق فيها بالذمة لا بعين المال) [9] . وقوله: (وينبغي أن تعلم أن السنة والرغيبة هي عندهم من باب الندب وإنما تختلفان عندهم بالأقل والأكثر: أعني في تأكيد الأمر بها، وذلك راجع إلى قرائن أحوال تلك العبادة) [10] .
ويقوم بعملية التشبيه مثل تشبيه صناعة الفقه بصناعة الطب حيث تتكون الملكة من كثرة الممارسة، يقول: (ووجه عمل الفاضل العالم في ذلك أن ينظر إلى شواهد الحال، فإن دلت الدلا ئل على أنه قصد بالنكاح خيرا لم يمنع النكاح، وإن دلت على أنه قصد الإضرار بورثته منع من ذلك كما في أشياء كثيرة من الصنائع يعرض فيها للصناع الشيء وضده مما اكتسبوا من قوة مهنتهم إذ لا يمكن أن يحد في ذلك مؤقت صناعي، وهذا كثيرا ما يعرض في صناعة الطب وغيرها من الصنائع المختلفة) [11] .
ومرة أخرى ينتقل إلى تشبيه القدرة على الإجتهاد بامتلاك صناعة الخفاف عوض تكديسها في دكان والقيام على بيعها مثل حال كثير من متفقهة زمان ابن رشد الذين (عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف هو الذي عنده خفاف
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 12
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 228
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 337
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 249
(5) بداية المجتهد ج: 1 ص: 67
(6) بداية المجتهد ج: 1 ص: 45
(7) بداية المجتهد ج: 1 ص: 211
(8) بداية المجتهد ج: 2 ص: 290
(9) بداية المجتهد ج: 1 ص: 181
(10) بداية المجتهد ج: 1 ص: 141
(11) بداية المجتهد ج: 2 ص: 35