يقع ابن رشد مع"بدايته"في الطور الرابع للفقه والذي يوصف في تاريخ التشريع عادة بأنه طور"الشيخوخة والهرم المقرب من العدم" [1] والذي مبدؤه من أول القرن الخامس حيث (لم يبق إلا مرق الفقه بعدما وصل إلى منتهى قوته في القرون الأربعة السابقة وتم نضجه فزاد بعد حتى احترق وذهبت عينه) على حد تعبير الحجوي [2] فاشتغل المسلمون بالمختصرات والتوسع في جمع الفروع من غير التفات للأدلة فكانت الرزية (كل الرزية ما حال بين المسلمين وبين نصوص نبيهم وكلام ربهم) [3] وبرقت بارقة على الفقه زمن الموحدين (تحرك بها حركة لكن كانت أشبه بحركة الموت) [4] .
فقد كانت الآراء الأصولية التي وردت عند ابن تومرت (ت 524هـ) (ثورة منهجية في الفكر الشرعي تقوم على أساس من الرجوع المباشر إلى القرآن والحديث واستنتاج الأحكام منهما وإقامة الحياة عليهما) [5] بدل تأصيل الأقوال على الأقوال وبناء الفروع على الفروع، ودعا ابن رشد إلى فتح باب الاجتهاد واعتبر العهد الثقافي الجديد الذي أحدثه ابن تومرت ودعمه خلفاؤه من بعده عهدا (رفع الله به كثيرا من الشرور والجهالات والمسالك المضلات( ... ) وطرق به إلي كثير من الخيرات) [6] . ويمكن أن نقول انه يصعب فصل المشروع العلمي لابن رشد في كتابه"البداية"عن المشروع التغييري للموحدين دون أن يقصد بذلك مجاراته بالضرورة في كل تفاصيله، ولكن هذا المشروع مارس تأثيره عليه بكل تأكيد.
فهو لم يكن بعيدا عن أصحاب القرار، وقد كان طبيب البلاط لعدة سنوات، ودعي من طرف عبد المومن للمساهمة في إصلاح التعليم، وتنقل في مناصب القضاء، كما بلغ ولع ابن رشد بآراء المهدي ابن تومرت أنه كتب شرحا على عقيدته بقي ذكره ولكن فقد نصه [7] وذكر ولاة الأمر في مطلع بعض كتبه فقال في"مقالة في الترياق": (أما بعد حمدا لله تعالى والصلاة على محمد رسوله المصطفى فانه سألني من وجبت علي طاعته، وتعين لدي شكره، وتقدم إلي فضله وبره أن أثبت له على طريق البرهان الطبي ما قاله الأطباء في المواضع التي يستعمل فيها الترياق ... ) [8]
وذكر في مقدمة شرح أرجوزة ابن سينا في الطب وهي أبلغ: (أما بعد حمدا لله المنعم بحياة النفوس وصحة الأجسام( ... ) والصلاة والسلام على محمد خاتم الرسل وسيد الأنام، والرضى عن الإمام المعصوم المهدي المعلوم [9] محيي الدين ومجدد رسوم الإسلام، وعن صحبه وخليفته أمير المؤمنين ممشي أمره على غاية الكمال والتمام والدعاء لسيدنا أمير المؤمنين بالنصر المستصحب على الاتصال والدوام ... ) [10] .
كما تصدى ابن رشد للاستجابة لحل الإشكال الذي وقع للخليفة في الفلسفة إذ كان ما ترجم منها إلى ذلك العهد بين مشوه وناقص، فتقدم يوسف بن عبد المومن:
(1) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي م2 ج4 ص163
(2) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي م2 ج4 ص163
(3) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي م2 ج3 ص147
(4) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي م2 ج4 ص170
(5) عبد المجيد النجار. المهدي ابن تومرت ص348
(6) فصل المقال ابن رشد ص38 (فلسفة ابن رشد
(7) رينان ابن رشد والرشدية ص87
(8) مقالة في الترياق لابن رشد م م ص249 المتن الرشدي ص93
(9) ولا أدري كيف أفسر هذا التعبير من ابن رشد وكيف يتوافق مع شخصيته إلا أن يخالط الأمر رغبة أو رهبة؟ وإلا أين الدليل في عصمة أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب أو السنة؟.
(10) شرح ابن رشد لأرجوزة ابن سينا ورقة 1 ظ من مخطوط الخزانة الملكية بالرباط رقم 3825 - المتن الرشدي ص98 - ).