(إلى ابن رشد بإشارة ابن طفيل أن يشرح تأليف هذا الحكيم شرحا يجمع بين الإيجاز والصراحة، فأجابه وشرع في عقد الشروح التي وضعها على تصانيف أرسطو) [1]
وهذا يشبه إلى حد كبير الإشكال الذي وقع للخليفة في شأن الفروع الفقهية، فقد ذكر أبو بكر محمد بن عبد الله بن الجد (ت 586هـ) مناظرة بينه وبين أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن (لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب أول دخلة دخلتها عليه، وجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر، أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله، رأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أقوال أو أكثر من هذا، فأي هذه الأقوال هو الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك. فقال لي وقطع كلامي: يا أبا بكر، ليس إلا هذا وأشار إلى المصحف أو هذا وأشار إلى كتاب سنن أبي داود وكان عن يمينه أو السيف) [2]
فلا يبعد عندي أن يكون من أهداف"البداية"وهي تبسط أسباب الخلاف بين الفقهاء لتخليص ذوي القرار وغيرهم من الحيرة المربكة، وطمأنة من أساء الظن بالخلاف الفقهي واعتبره بعدا عن الكتاب والسنة، ومثارا للفرقة والنزاع. وتصحيح النظر إلى المذاهب الفقهية المختلفة حتى ينظر إليها بعين الرضا، وأنها فروع باسقة لشجرة الإسلام الطيبة الثابتة، وهو عمل ميسور على من اشرأبت نفسه لعقد الصحبة وأخوة الرضاع بين الحكمة والشريعة ذوات الأصول المختلفة، فكيف بالأخوات الشقيقات بنات الإسلام، بل ومذاهب أهل السنة والجماعة؟.
وتتجلى روعة"البداية"وقيمتها العالية في كون صاحبها وقف وقفة القاضي البارع العادل، والحكم المنصف، وتبنى وسطية تكبح جماح كل جنوح أو تطرف، وهدف إلى تحقيق التناغم بين ما يبدو في ظاهره التعارض، والوصول إلى أهداف تشمل المجتهد والمقتصد، وتهذب حماس الدولة الجديدة، وتستنهض همم المنصف الذي لا يقضي لمن يبادله عاطفة صداقة أو قرابة ولا على الذي بينه وبينه عاطفة بغض أو عداء، وجعل الناس سواء واتخذ شعار: الدليل على من ادعى صواب رأيه، والبينة على من ترك الأخذ بحكم غيره من أهل التقليد القيمين على المذهب السائد. وبسط لذلك أهدافا إجرائية: كالمساهمة في إصلاح طرق التعليم والتكوين الفقهي، وإبراز شروط الاجتهاد، وضبط القول الفقهي وتأصيله. وبعبارة أخرى فالذي ظهر لي خلال"البداية"وعنوانها أن الهدف الكبير لصاحبها هو: اقتحام عقبة الاجتهاد، سواء داخل المذهب أو خارجه، والتحقق بمرتبة"بداية المجتهد"وإن فترت الهمم، ولم يترك الأول للآخر، ولم يكن في الإمكان أبدع مما كان، فلا أقل من التحقق بمرتبة"كفاية المقتصد"المتسامح مع غيره، التارك لمحورية الغرور، والمعتقد أن كوكبه واحد من الكواكب التي تدور جميعها حول شمس
(1) الاعلام العباس بن إبراهيم ص132.
(2) المعجب ج1: ص 279