سبق في الأبواب المتقدمة , فعندما كان مثلا بصدد بسط الاختلاف في كفارة المتمتع قال: (وهذه المسألة نظير مسألة من طلع عليه الماء في الصلاة وهو متيمم) [1] . والتي تلتقي معها في أصل واحد هو هل ما هو شرط في ابتداء العبادة هو شرط في استمرارها؟. وكذلك قوله: (وسبب الخلاف أن للحج تحللا يشبه السلام في الصلاة وهو التحلل الأكبر) [2] .
ويستخدم أسلوب الافتراض ويعلم طريق الاستنباط، ففي مسألة عدم العلم بأن أهل الكتاب سموا الله على الذبيحة، ذكر ابن رشد رأي الجمهور بأنها تؤكل رغم أنه لا يعلم من خالف ذلك فإنه احتمل أن يرد الخلاف فيه، يقول: (ولست أذكر فيه في هذا الوقت خلافا. ويتطرق إليه الاحتمال بأن يقال إن الأصل هو أن لا يؤكل من تذكيتهم إلا ما كان على شروط الإسلام. فإذا قيل على هذا إن التسمية من شرط التذكية وجب أن لا تؤكل ذبائحهم بالشك في ذلك .. ) [3] وفي مسألة أفضل ما يضحى به بعد ذكر ما يراه سببا للخلاف قال: (ويمكن أن يكون لاختلافهم سبب آخر. وهو هل الذبح العظيم الذي فدي به إبراهيم سنة باقية إلى اليوم وأنها الأضحية؟ .. ) [4] .
فهو يتحرى الوصول بالمتعلم إلى سبب الاختلاف ما أمكن، حيث يقلب المسألة من عدة وجوه ويفترض ما يراه مناسبا، ويتصور حلولا لمشكلات مفترضة بناء على أصول الفقهاء، ففي غيبة الأب عن ابنته البكر أورد ما اتفق عليه فقهاء المذهب المالكي، وما اختلفوا فيه ثم قال: (وليس يبعد بحسب النظر المصلحي الذي انبنى عليه هذا النظر أن يقال إن ضاق الوقت وخشي السلطان عليها الفساد زوجت وإن كان الموضع قريبا .. ) [5] وفي بيع السمك في البركة قال (أبو حنيفة يجوز، ومنعه مالك والشافعي فيما أحسب. وهو الذي تقتضي أصوله) [6]
وتيسيرا على المتعلم أيضا يسير وفق المعتاد ويؤلف على عادة الفقهاء، وإن كان يري أحيانا أن بعض المباحث خاصة بأبواب فقهية معينة دون التي توضع فيها [7] ويشرك القارئ أحيانا معه في عرض المسائل وتأملها مثل قوله: (وإنما يكون قولهم(أي الفقهاء) خلاف الآثار لو جعلوا صلاته (أي الوتر) بعد الفجر من باب الأداء فتأمل هذا) [8] إلى أن يقول أيضا (فينبغي أن تتأمل صفة النقل في ذلك عنهم) [9] وتجدر الإشارة إلى أن ابن رشد طلب التأمل من قارئه سبعا وعشرين مرة في كتابه.
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 269
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 271
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 330
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 315
(5) بداية المجتهد ج: 1 ص: 315
(6) بداية المجتهد ج: 2 ص: 118
(7) بداية المجتهد ج: 2 ص: 324
(8) بداية المجتهد ج: 1 ص: 147
(9) بداية المجتهد ج: 1 ص: 147