فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 979

يتجاذب القول فيها إلى الضدين على السواء عند النظر فيها ولعل في أمثال هذه المواد يكون القول بتصويب كل مجتهد صوابا) [1]

فالذوق في المجال المعنوي لا يحصل عادة بغير وجود الملكة، وكأنها درجة عليا فيها، يقول صاحب أبجد العلوم: (اعلم أن لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان ومعناها حصول ملكة البلاغة للسان) [2] فإذا انتقلنا في مجالنا الذي نحن فيه مع ابن رشد، نقول عن الذوق بأنه حصول ملكة الاجتهاد للعالم بالكتاب والسنة وأحوال الناس.

تحصيل ملكة الاجتهاد:

إذا كان الاجتهاد بذلا للوسع والطاقة لنيل الحكم الشرعي، فالوصول إليه ونيل مرتبته لا يكون إلا لمن بذل وسعه وطاقته. ويختلف الناس في مستوياته حسب ما يبذلون، ويقبل منهم عند الله وعند الناس حسب تحريهم للإخلاص والصواب.

فملكة الاجتهاد حصيلة صيرورة متنامية، تنشأ حالا فحالا إلى حد التمام والكمال المقدر لها، ويمكن أن تبدأ إرهاصاتها وبوادرها من الصبا المبكر [3] ، كما يمكن وضع خطط على المدى البعيد للوصول إليها، تتخللها خطط قصيرة تسلم كل مرحلة إلى التي تليها .. فهذا الإمام الشاطبي يرى أن طالب العلم إذا استمر في طلبه مرت عليه ثلاثة أحوال:

أولها: أن يتنبه عقله إلى النظر فيما حفظ ويبحث عن أسبابه، وذلك بشعوره بسر وحكمة ما حصل ويكون ذلك بصفة إجمالية ..

ويوجه المعلم إلى إعانة هذا الطالب بما يليق به في هذه الرتبة: بأن يرفع عنه الأوهام والإشكالات التي تعرض له في طريقه، ويهديه إلى مواقع إزالتها في السير على حسب مستواه مثبتا قدمه ورافعا وحشته ومؤدبا له حتى يتسنى له النظر والبحث عن صراط مستقيم. فهذا الطالب حين بقائه هنا ينازع المواد الشرعية وتنازعه ويغالبها وتغالبه طمعا في إدراك أصولها والاتصال بحكمها ومقاصدها فهي لم تتخلص له بعد.

ولهذا يرى الشاطبي بأن من كان هذا حاله لا يصح منه الاجتهاد في ما هو ناظر فيه، لأنه لم يتخلص له مستند الاجتهاد ولا هو منه على بينة بحيث ينشرح صدره بما يجتهد فيه.

ثانيها: أن ينتهي بالنظر إلى تحقيق معنى ما حصل على حسب ما أداه اليه البرهان الشرعي، بحيث يحصل له اليقين ولا يعارضه الشك بل إنه يتعجب من المتشكك في محصوله.

(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 124

(2) صديق بن حسن القنوجي (أبجد العلوم) ج1 ص: 277

(3) فهذا الهيثم ابن جميل يقول في الامام أحمد ابن حنبل وقد رآه صبيا (ان عاش هذا الفتى فسيكون حجة أهل زمانه: عن حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني(ت 430 هـ) ج: 9 ص: 167 - دار الكتاب العربي- بيروت- 1405 - ط: الرابعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت