وكانوا يَطْرُدُونَهم من مَجالسِهم؛ كما في قِصَّةِ الإمامِ مالِكٍ رَحِمَه اللهُ تعالى مع مَن سأَلَه عن كيْفِيَّةِ الاستواءِ وفيه بَعْدَ جوابِه المشهورِ: (أَظُنُّكَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ) وأَمَرَ به فأُخْرِجَ.
وأخبارُ السلَفِ مُتكاثِرَةٌ في النُّفْرَةِ من المبتَدِعَةِ وهَجْرِهم حَذَرًا من شَرِّهم وتَحجيمًا لانتشارِ بِدَعِهم وكَسْرًا لنفوسِهم حتى تَضْعُفَ عن نَشْرِ البِدَعِ، ولأنَّ في مُعاشَرَةِ السُّنِّيِّ للمُبتدِعِ تَزكيةً له لدَى الْمُبْتَدِئِ والعامِّيِّ - والعامِّيُّ مُشْتَقٌّ من العَمَى، فهو بِيَدِ مَن يَقودُه غالبًا -.
ونَرَى في كتبِ المصطَلَحِ، وآدابِ الطلَبِ، وأحكامِ الْجَرْحِ والتعديلِ: الأخبارَ في هذا.
المؤلف وفقه الله حذر هذا التحذير البليغ من أهل البدع وهم جديرون بذلك , ولاسيما إذا كان المبتدع سليط اللسان فصيح البيان, فإن شره يكون أكبر وأعظم, ولاسيما إذا كانت بدعته أيضا مكفرة أو مفسقة تفسيقا بالغا فإن خطره أعظم, ولاسيما إذا كان يتظاهر أمام الناس بأنه من أهل السنة لأن بعض أهل البدع عنده نفاق, تجده عند من يخاف منه يتمسكن ويقول أنا من أهل السنة وأنا لا أكره فلانا ولا فلانا من الصحابة وأنا معكم وهو كاذب فمثل هؤلاء يجب الحذر منهم, وقد مر علينا في الدرس الماضي أنه وإن كان المبتدع عنده علوم لا توجد عند أهل السنة ولا تتعلق بالعقيدة كمسائل النحو والبلاغة وما أشبهها فلا تأخذ منه. لأن يتولد من ذلك مفسدتان: الأولى: اغتراره بنفسه. والثانية: اغترار الناس به. الناس لا يعلمون، فلذلك يجب الحذر.