وإنما برئ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من هؤلاء الثلاث , لعدم رضاهن بالقدر , ومن فعل من الرجال مثلهن فحكمه حكمهن. لكنه ذكر ذلك لأن الغالب أن هذا يقع من النساء لأن الرجال أشد تحملا من النساء.
وعن ابنِ عمرَ بَراءَتُه من القَدَرِيَّةِ. رواه مسْلِمٌ.
لأنه لما حدث بأن عندهم قوما يقولون: إن الأمر أُنف: يعني مستأنف وأن الله لم يقدره من قبل. قال للذي بلغه: أخبرهم بأن ابن عمر منهم بريء. لأنهم أنكروا قضاء الله وقدره السابق.
تدرون من هم القدرية: هل هم الذين يثبتون القدر أم الذين ينفون القدر؟ الذين ينفون القدر. وهي نسبة عكسية لأن الذي يسمع القدرية يظن أن المعنى هم الذين يثبتون القدر. والأمر بالعكس, فهي نسبة سلب لا إيجاب, وهؤلاء القدرية يسمون مجوس هذه الأمة, وقد وردت في ذلك أحاديث, ووجه ذلك: أنهم جعلوا للحوادث محدثين, الحوادث الكونية التي من فعل الله أحدثها الله عز وجل كإنشاء الغيم وإنزال المطر وما أشبه ذلك, والحوادث التي تكون من فعل العبد استقل بها العبد, فهم يرون أن العبد مستقل بعمله وأن الله تعالى لا علاقة له به, إطلاقا , ولهذا سموا مجوسا لأنهم كالمجوس الذين يقولون: إن للحوادث خالقين, النور يخلق الخير والظلمة تخلق الشر.
والأمرُ في هَجْرِ المبتدِعِ يَنْبَنِي على مُراعاةِ المصالِحِ وتَكثيرِها ودَفْعِ الْمَفاسِدِ وتَقْلِيلِها، وعلى هذا تَتَنَزَّلُ المشروعيَّةُ من عَدَمِها؛ كما حَرَّرَه شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رَحِمَه اللهُ تعالى في مَوَاضِعَ.
إذن عاد الشيخ إلى ما ذكرنا بالأمس وهو أن ينظر إلى المصالح, فإذا رأينا أن من المصلحة أن لا نهجره ولكن نبين الحق, لا نداهنه ونبقيه على بدعته ونقول: أنت على بدعتك ونحن على سنتنا, إذا رأينا من المصلحة هذا فترك الهجر أولى, وإن رأينا من المصلحة الهجر بأن يكون أهل السنة أقوياء وأولئك ضعفاء مهزومين فالهجر أولى.