الصفحة 179 من 216

هذا فيه شيء صواب، وشيء فيه نظر: صيانة العلم وتعظيمه وحماية جنابه، لا شك أنه عز وشرف، فإن الإنسان إذا صان علمه عن الدناءة وعن التطلع إلى ما في أيدي الناس، وعن بذل نفسه فهو أشرف له وأعز، ولكن كون الإنسان لا يسعى به إلى أهل الدنيا ولا يقف على أعتابهم ولا يبلغه إلى غير أهله وإن عظم قدره، فيه تفصيل:

فيقال إذا سعيت به إلى أهل الدنيا وكانوا ينتفعون بذلك فهذا خير، وهو داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أما إن كانوا يقفون من هذا العالم الذي دخل عليهم وأخذ يحدثهم، موقف الساخر المتململ، فهنا لا ينبغي أن يهدي العلم إلى هؤلاء، لأنه إهانة له وإهانة لعلمه. ولنفرض أن رجلا دخل على أناس من هؤلاء النفر، وجلس، وجعل يتحدث إليهم بأمور شرعية، ولكنه يشاهدهم تتمعر وجوههم، ويتململون ويتغامزون، فهؤلاء لا ينبغي أن يحوم حولهم لأن هذا ذل له ولعلمه.

أما إذا دخل على هؤلاء وجلس وتحدث، ووجد وجوها تهش، وأفئدة تطمئن، ووجد منهم إقبالا، فها هنا يجب أن يفعل، ولكل مقام مقال: لو كان دخل طالب علم صغير على هؤلاء المترفين، فلربما يقفون منه موقف الاستهزاء والسخرية، لكن لو دخل عليهم من له وزن عندهم وعند غيرهم لكان الأمر بالعكس، فلكل مقام مقال.

ومتع بصرك وبصيرتك بقراءة التراجم والسير لأئمة مضوا، تر فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية، لا سيما من جمع مثلا في هذا، مثل كتاب «من أخلاق العلماء» لمحمد سليمان - رحمه الله تعالى - وكتاب «الإسلام بين العلماء والحكام» لعبد العزيز البدري - رحمه الله تعالى- وكتاب «مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لفاروق السامرائي.

وأرجو أن ترى أضعاف ما ذكروه في كتاب «عزة العلماء» يسر الله إتمامه وطبعه. وقد كان العلماء يلقنون طلابهم حفظ قصيدة الجرجاني علي بن عبد العزيز (م سنة 392هـ) رحمه الله تعالى كما نجدها عند عدد من مترجميه، ومطلعها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت