الصفحة 75 من 216

وهكذا كانت الأوقاتُ عامرةً في الطلَبِ ومجالِسِ العِلْمِ، فبعدَ صلاةِ الفَجْرِ إلى ارتفاعِ الضُّحَى، ثم تكونُ القَيلولةُ قُبَيْلَ صلاةِ الظهْرِ، وفي أعقابِ جَميعِ الصلواتِ الخمْسِ تُعْقَدُ الدروسُ، وكانوا في أَدَبٍ جَمٍّ وتَقديرٍ بعِزَّةِ نفْسٍ من الطَّرَفَيْنِ على مَنهجِ السلَفِ الصالِحِ رَحِمَهُم اللهُ تعالى، ولذا أَدْرَكُوا وصارَ منهم في عِدادِ الأئِمَّةِ في العِلْمِ جَمْعٌ غَفيرٌ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ. فهل من عودةٍ إلى أصالةِ الطلَبِ في دِراسةِ المختَصَراتِ الْمُعتَمَدَةِ لا على المذَكَّرَاتِ، وفي حِفْظِها لا الاعتمادِ على الفَهْمِ فحَسْبُ، حتى ضاعَ الطلَّابُ فلا حِفْظَ ولا فَهْمَ.

لا حول ولا قوة إلا بالله، قوله وفقه الله: الاعتماد على هذه المتون الأصيلة لا على المذكرات، هذا صحيح، لأن المذكرات قد يكون واضعها ممن لا يعرف من هذا الفن إلا معرفة سطحية، فتجده يلتمس كلمات من هذا وكلمات من هذا وكلمات من هذا، ولا يكون الكلام محررا متناسقا، لكن هذه الكتب القديمة الأصيلة محررة متناسقة مخدومة.

وكذلك أيضا الحفظ هو الأصل، علم بلا حفظ يزول سريعًا، وكانوا بالأول يلعبون علينا لما كنا في الطلب، يقولون لا تتعب نفسك في حفظ المتن عليك بالفهم، الفهم الفهم، لكن وجدنا أننا ضائعون إذا لم يكن عندنا حفظ.

ما نفعنا الله تعالى إلا بما حفظنا من المتون، ولولا أن الله نفعنا بذلك لضاع علينا علم كثير، فلا تغتر بمن يقول الفهم، ولهذا هؤلاء الدعاة إلى الفهم لو سألتهم أو ناقشتهم لوجدتهم ضحلاء، ليس عندهم إلا علم ضحل، {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} .

وفي خُلُوِّ التلقينِ من الزَّغَلِ والشوائبِ والكَدَرِ، سيْرٌ على مِنْهَاجِ السلَفِ، واللهُ الْمُستعانُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت