قوله: (خلو التلقين) : يعني تلقين العلم، (من الزغل والشوائب والكدر، سير على منهاج السلف) ، يعني ينبغي للعالم والمتعلم أن يكون التعليم والتعلم منهما خاليا من هذه العيوب، بل ينبغي أن يكون صافيا، بحيث يكون المعلم يريد بذلك إيصال العلوم إلى الطلاب دون الاستعلاء عليهم أو إظهار علمه عليهم أو ما أشبه ذلك، ويكون التلميذ كذلك واثقا مطمئنا إلى ما يقوله معلمه، لأنه إذا كان يتعلم منه يقول أنا أتعلم الآن ولكن إذا خرجت أبحث عن عالم آخر فكأنه لم يأخذ عن هذا العالم أخذ واثق، أو (...) وهذا يضيعه بلا شك.
لكن إذا أخذ عن العلم أخذ مستفيد واثق، ثم بعد ذلك إذا كبر وترعرع في العلم وصار عنده ملكة، فلا مانع أن يخالف شيخه فيما يرى أن الصواب في خلافه. لكن مادام في زمن الطلب فليتكأ على من يتعلم على يديه وليأخذ كلامه بثقة واطمئنان، حتى يرسخ، أما أن يأخذ ويقول: إذا خرج أبحث مع أناس أو مع طلاب علم هذا لا يصح أبدا ولا يستقيم للطالب طلب على هذا الوجه.
وقالَ الحافظُ عثمانُ بنُ خُرَّزَاذَ (المتوفى سنة 282 هـ) رَحِمَه اللهُ تعالى: (يَحتاجُ صاحبُ الحديثِ إلى خَمْسٍ، فإن عُدِمَتْ واحدةٌ فهي نَقْصٌ: يَحتاجُ إلى عَقْلٍ جَيِّدٍ، ودِينٍ، وضَبْطٍ، وحَذَاقَةٍ بالصِّناعةِ، مع أَمانَةٍ تُعْرَفُ منه.
(قلتُ: أي الذهبيُّ:) الأمانةُ جزءٌ من الدينِ، والضبْطُ داخلٌ في الْحِذْقِ، فالذي يَحتاجُ إليه الحافظُ أن يكونَ تَقِيًّا، ذَكِيًّا، نَحْوِيًّا، لُغَوِيًّا، زَكِيًّا، حَيِيًّا، سَلَفِيًّا يَكفِيه أن يَكتُبَ بيَدَيْهِ مِائَتَي مُجَلَّدٍ، ويُحَصِّلَ من الدواوينِ الْمُعْتَبَرَةِ خَمْسَ مِئَةِ مُجَلَّدٍ وأن لا يَفْتُرَ من طلَبِ العِلْمِ إلى الْمَمَاتِ بِنِيَّةٍ خالِصَةٍ، وتوَاضُعٍ وإلا فلا يَتَعَنَّ) اهـ.
هذه ثقيلة من الذهبي رحمه الله، لو بقينا على كلام الحافظ عثمان بن خرزاد لكان أحسن.. يعني أهون علينا.