الأمر السابع عشر: تلقي العلم عن الأشياخ: الأصلُ في الطلَبِ أن يكونَ بطريقِ التلقينِ والتلَقِّي عن الأساتيذِ والْمُثَافَنَةِ للأشياخِ، والأخْذِ من أفواهِ الرجالِ لا من الصحُفِ وبُطونِ الكُتُبِ، والأَوَّلُ من بابِ أَخْذِ النَّسيبِ عن النَّسيبِ الناطقِ، وهو الْمُعَلِّمُ، أمَّا الثاني عن الكتابِ، فهو جَمادٌ، فأَنَّى له اتِّصَالُ النَّسَبِ؟
هذا أيضًا مما ينبغي لطالب العلم مراعاته, أن يتلقى العلم عن الأشياخ لأنه يستفيد بذلك فائدتين: بل أكثر.
الفائدة الأولى: اختصار الطريق بدلا من أن يذهب يقلب في بطون الكتب وينظر ما هو القول الراجح , وما سبب رجحانه؟ وما هو القول الضعيف؟ وما سبب ضعفه؟ بدلا من ذلك يمد المعلم هذه لقمة سائغة، يقول: واختلف العلماء في كذا على قولين أو ثلاثة أو أكثر , والراجح كذا , والدليل كذا. وهذا لا شك أنه نافع لطالب العلم.
الفائدة الثانية: السرعة. يعني سرعة الإدراك , لأن الإنسان إذا كان يقرأ على عالم فإنه يدرك بسرعة أكثر مما لو ذهب يقرأ في الكتب, لأنه إذا ذهب يقرأ في الكتب ربما يردد العبارة أربع أو خمس مرات لا يفهمها, وربما فهمها أيضا على وجه خطأ غير صحيح.
الفائدة الثالثة: الرابطة بين طالب العلم ومعلمه, فيكون ارتباط بين أهل العلم من الصغر إلى الكبر.
فهذه من فوائد تلقي العلم على الأشياخ, لكن سبق أن قلنا أن الواجب أن يختار الإنسان من العلماء من هو ثقة أمين قوي أمين, يعني عنده علم وإدراك ليس علمه سطحيًا, وعنده أمانة , وكذلك أيضًا إذا كان عنده عبادة فإن الطالب يقتدي بمعلمه.
وقد قيلَ: (مَن دَخَلَ في العِلْمِ وَحْدَه، خَرَجَ وَحْدَه) أي: مَن دَخَلَ في طَلَبِ العِلْمِ بلا شيخٍ، خَرَجَ منه بلا عِلْمٍ، إذ العلْمُ صَنعةٌ، وكلُّ صَنعةٍ تَحتاجُ إلى صانعٍ، فلا بُدَّ إِذَنْ لتَعَلُّمِها من مُعَلِّمِها الحاذِقِ.