أن يكون له همة وقوة في الاستماع إلى الشيخ واتباع نطقه حتى ينشط الشيخ على هذا, ولا يظهر للشيخ أنه قد ملّ وتعب بالاتكاء تارة والحملقة تارة, (حملق يعني ينظر يمين ويسار) أو تقليب الأوراق تارة. أو ما أشبه ذلك، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يلقي العلم لا بين الطلبة ولا بين عامة الناس إلا وهم متشوقون له, حتى يكون كالغيث أصاب أرضا يابسة فقبلته، وأما أن يكره أو يفرض نفسه فهذا أمر لا ينبغي, أولا لأن الفائدة تكون قليلة, وثانيا ربما يقع في قلب السامع الذي أكره على الاستماع هذه الكلمة مثلا يقع في قلبه كراهة إما للشخص وإما لما يلقيه الشخص وكلا الأمرين مر, وأمرهما أن يكره ما يلقيه الشخص. فعلى كل حال متى رأيت الناس متشوقين للكلام فتكلم وإذا رأيت الأمر لا يناسب فلا تتكلم لا تثقل على الناس وهذا قد مر علينا في البخاري في حديث عبد الله بن عباس, أنك لا تلقي على القوم حديث إلا وأنت تعلم أنهم يحبون ذلك وإلا فلا تلقيه عليهم.
وهنا يقول عن الخطيب البغدادي رحمه الله: (حق الفائدة أن لا تساق إلا إلى مبتغيها ولا تعرض إلا على الراغب فيها , فإذا رأى المحدث بعض الفتور من المستمع فليسكت , فإن بعض الأدباء قال: نشاط القائل على قدر فهم المستمع) . وهذا صحيح, القائل المتكلم نشاطه على قدر فهم المستمع وإن شئت فقل على قدر انتباه المستمع، لأن الفهم مرتبة وراء الانتباه, ينتبه الإنسان أولا ثم يفهم, والفهم أمر خفي, لا نعرفه لكن الإنسان ينشط إذا رأى القوم قد انتبهوا له, وأحسنوا الإنصات والإصغاء
الأمر الحادي والعشرون: الكتابة عن الشيخ حال الدرس والمذاكرة، وهي تَختلِفُ من شيخٍ إلى آخَرَ فافْهَمْ.