فهرس الكتاب
(الجزء رقم: 2، الصفحة رقم: 569)
وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال ، هي أربعة أوجه في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: أنه لا يجوز مطلقا .
والثاني: لا يجوز إلا عند الحاجة .
الثالث: يجوز إلا أن يتعين عليه .
والرابع: يجوز ، فإن أخذ أجرا عند العمل لم يأخذ عند الأداء ، وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر .
والمقصود هنا: أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك أن يبيع ماله بثمن مقدر ، إما بثمن المثل ، وإما بالثمن الذي اشتراه به ، لم يحرم مطلقا تقدير الثمن ، ثم إن ما قدر به النبي صلى الله عليه وسلم في شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل الحرية ، وذلك حق الله ، وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله ؛ ولهذا يجعل العلماء هذه حقوقا لله تعالى ، وحدودا لله ، بخلاف حقوق الآدميين وحدودهم ، وذلك مثل: حقوق المساجد ومال الفيء والصدقات والوقف على أهل الحاجات والمنافع العامة ونحو ذلك ، ومثل: حد المحاربة والسرقة والزنى وشرب الخمر ، فإن الذي يقتل شخصا لأجل المال يقتل حتما باتفاق العلماء ، وليس لورثة المقتول العفو عنه ، بخلاف من يقتل شخصا لغرض خاص ، مثل خصومة بينهما ، فإن هذا حق لأولياء المقتول ، إن أحبوا قتلوا ، وإن أحبوا عفوا باتفاق المسلمين ، وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة ، ليس الحق فيها لواحد بعينه ، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية ، لكن تكميل
(الجزء رقم: 2، الصفحة رقم: 570)
الحرية وجب على الشريك المعتق ، فلو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر ما شاء ، وهنا عموم الناس عليهم شراء الطعام والثياب لأنفسهم ، فلو مكن من يحتاج إلى سلعته أن لا يبيع إلا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم .