للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة ... فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير- سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة، وإذا تعدى أحد بعد ما فعل ذلك أجبره القاضي. اهـ. كلامه رحمه الله [مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية] (28/100، 101) . والذي يظهر لنا وتطمئن إليه نفوسنا: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: من التسعير ما هو ظلم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضون أو منعهم مما أباحه الله لهم- فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل: إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز، بل واجب، فما قدره النبي صلى الله عليه وسلم من الثمن سراية العتق هو لأجل تكميل الحرية وهو حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق لله، فحاجة المسلمين إلى الطعام والشراب واللباس ونحو هذه الأمور مصلحة عامة ليس فيها الحق لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية.
فالتسعير جائز بشرطين:
أحدهما: أن يكون التسعير فيما حاجته عامة لجميع الناس .
والثاني: ألا يكون سببا لغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب.
(الجزء رقم: 2، الصفحة رقم: 602)
فمتى تحقق فيه الشرطان كان عدلا وضربا من ضروب الرعاية العامة للأمر؛ كتسعير اللحوم والأخباز والأدوية ونحو هذه الأمور مما هي مجال للتلاعب بأسعارها وظلم الناس في بيعها، وإن تخلفا أو أحدهما كان ذلك ظلما وداخلا فيما نص عليه حديثا أنس وأبي هريرة المتقدمان، وهو عين ما نهى عنه عمر بن عبد العزيز عامله على الأبلة حين حط سعرهم لمنع البحر، فكتب إليه: خل بينهم وبين ذلك فإنما السعر بيد الله.