قلت: أما إن كان المقلد من أهل النظر وقلد الحنفي عن ترجيح برهان ، فهذا ربما يقال: إنه لا يسوغ له ذلك - أي: إلا أن يظهر له ترجيح دليل الحل ثانيا - وأما إن كان من أهل التقليد البحت - كما هو في أهل زماننا - فقد نصوا على أن جميع الأئمة بالنسبة إليه سواء ، والعامي لا مذهب له ، إنما مذهبه مذهب مفتيه ، وقوله: أنا حنفي أو مالكي ، كقول الجاهل: أنا نحوي ، لا يحصل منه سوى مجرد الاسم ، فبأي العلماء اقتدى فهو ناج على أن الكلام وراء ذلك ، فقد نصوا على الجواز والوقوع بالفعل في تقليد المجتهد لغيره ، والكلام مبسوط في ذلك في كثير من كتب الفقه ، وقد حرر البحث أبو السعود في [ شرح الأربعين حديثا النووية ] وألف في ذلك رسالة عبد الرحيم المكي ، فليراجعهما من أراد الوقوف على التفصيل .
فإن قيل: قد ذكرت أن الخنزير محرم وهو من طعامهم ، فلماذا لا يجعل مخصصا بالحلية بهذه الآية - أي: آية طعامهم - وإذا جعلت آية تحريمه
(الجزء رقم: 2، الصفحة رقم: 625)
محكمة غير منسوخة ، فكذلك تكون المخنقة ، ولماذا تقيسها على مسألة التسمية ولا تقيسها على مسألة الخنزير وأي مرجح لذلك ؟
فالجواب: أن المأكولات منها ما حرم لعينه ومنها ما حرم لغيره ، فالخنزير وما شاكله من الحيوانات محرمة لعينها ولهذا تبقى على تحريمها في جميع أطوارها وحالاتها ، وأما متروك التسمية أو ما أهل به لغير الله والمنخنقة فإن التحريم أتى فيه لعارض وهو ذلك الفعل ، ثم أتى نص آخر عام في طعام أهل الكتاب وأنه حلال فأخرج منه محرم العين ضرورة وبالإجماع أيضا وبقي المحرم لغيره .
وهو مسألتان:
إحداهما: مسألة التسمية .
والثانية: مسألة المنخنقة .