وأيضا ما روى عبد الرزاق عن سماك بن الفضل: أن عروة كتب إلى عمر بن عبد العزيز في رجل خنق صبيا على أوضاح له حتى قتله فوجدوه والحبل في يده، فاعترف بذلك، فكتب: أن ادفعوه لأولياء الصبي، فإن شاءوا قتلوه. ولم يسأل عمر عن صفة القتل أهو غيلة أم لا؟ ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعا.
ونوقش: بأن فيه عنعنة عبد الرزاق بن همام وهو مدلس.
ونوقش الأثران: بأن كلا منهما واقعة عين لا عموم لها، ودعوى ترك السؤال مجرد احتمال لا دليل عليه، إذ ليس في كل من الأثرين ثبوت السؤال ولا نفيه، ومع تساوي الاحتمالين يسقط الاستدلال.
أما القياس: فقالوا فيه: إنه قتل في غير حرابة، فكان كسائر أنواع القتل في إيجاب القصاص وقبول العفو؛ لعدم الفارق.
ونوقش: بوجود الفارق، بأنه من الحرابة أو كالحرابة، ويتبين ذلك مما يأتي في الاستدلال للقول الثاني إن شاء الله.
واستدل من قال: إن قتل الغيلة يقتل فيه الجاني حدا لا قودا فلا يسقط بالعفو من السلطان أو غيره بالكتاب والسنة والإجماع والقياس:
أما الكتاب: فإن قتل الغيلة نوع من الحرابة ، فوجب به القتل حدا لا قودا؛ لقوله تعالى: سورة المائدة الآية 33 إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا الآية .
(الجزء رقم: 3، الصفحة رقم: 431)
ونوقش: بمنع كونه نوعا من الحرابة.
وأما السنة: أ- ما ثبت أن جارية وجدت قد رض رأسها بين حجرين، فسألوها: من صنع هذا بك؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكروا يهوديا، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضوا رأسه بالحجارة.
قالوا: قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل اليهودي، ولم يجعل ذلك إلى أولياء الجارية، ولو كان القتل قصاصا لكان الحق لأوليائها، ولم يضرب عنهم صفحا، فدل ذلك على أنه قتله حدا لا قودا.