فهرس الكتاب
وهكذا استمرت بعد الإسلام القروض بنوعيها:- استهلاكية وإنتاجية- يقدمها أرباب المال بغير ربا، بدافع الإخاء الإسلامي والتعاون الإسلامي، وما يرتجيه رب المال من ثواب على هذا الصنيع، بل ثبت أن بيت المال كان يخرج بغير ربا قروضا لمشروعات إنتاجية.
وروى الطبري: ( أن هندا ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف درهم تتجر فيها وتضمنها فأقرضها، فخرجت بها إلى بلاد كلب فاشترت وباعت، فلما أتت المدينة شكت الوضيعة- أي: الخسارة- فقال لها عمر: لو كان مالي لتركته، ولكنه مال
(الجزء رقم: 5، الصفحة رقم: 201)
المسلمين ) اهـ .
إلى أن قال . . . ونحسب أنه بعد هذا البيان لم يبق محل للجدل في أن الربا الذي حرمه الإسلام يشمل القروض الإنتاجية والقروض الاستهلاكية على السواء، وأن القروض الإنتاجية كانت شائعة في العصر الجاهلي، فجاء الإسلام يحرم الربا عليها كما حرمه على القروض الاستهلاكية.
وقبل أن نختم هذه الكلمة الموجزة عن الربا يجب أن نكشف عن العلة في تحريمه كشفا نهتدي فيه بعقلنا البشري، أما التحريم في ذاته فهو قائم، لأنه أمر الله، الله الذي لا يريد لعباده إلا الخير، وقد تقصر عقولنا البشرية عن إدراك مدى حكمته.
أما الربا على القرض الاستهلاكي فحكمة تحريمه ظاهرة لا تحتاج إلى بيان فهو يتنافى مع الأخلاق الإسلامية، وهو يهدم جميع الخصائص التي جعلها الله من مقومات المجتمع الإسلامي . . أما الربا على القرض الإنتاجي فلعل حكمة تحريمه لم تظهر على أوضح وجه كما ظهرت منذ أجازت التشريعات الأوروبية قرض (الفائدة) على القروض.
ونكتفي هنا بما أثبتته المشاهدات الواقعية لآثار هذا الربا في عصرنا مرجئين التدليل عليها إلى سياق البحث.