فهرس الكتاب
فأما إتلافها فإفساد لها سورة البقرة الآية 205 وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وهو إضاعة لها والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن إضاعة المال ، وإن كان في مذهب أحمد ومالك تجويز العقوبات المالية: تارة بالأخذ ، وتارة بالإتلاف ، كما يقوله أحمد في متاع الغال ، وكما يقوله أحمد ومن يقوله من المالكية في أوعية الخمر ، ومحل الخمار ، وغير ذلك .
فإن العقوبة بإتلاف بعض الأموال أحيانا ، كالعقوبة بإتلاف بعض
(الجزء رقم: 5، الصفحة رقم: 405)
النفوس أحيانا. وهذا يجوز إذا كان فيه من التنكيل على الجريمة من المصلحة ما شرع له ذلك، كما في إتلاف النفس والطرف، وكما أن قتل النفس يحرم إلا بنفس أو فساد، كما قال تعالى: سورة المائدة الآية 32 مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ
وقالت الملائكة: سورة البقرة الآية 30 أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ فكذلك إتلاف المال، إنما يباح قصاصا، أو لإفساد مالكه، كما أبحنا من إتلاف البناء والغراس لأهل الحرب مثل ما يفعلون بنا بغير خلاف، وجوزنا لإفساد مالكه ما جوزنا.
ولهذا لم أعلم أحدا من الناس قال: إن الأموال المحترمة المجهولة المالك تتلف، وإنما يحكى ذلك عن بعض الغالطين من المتورعة: أنه ألقى شيئا من ماله في البحر، أو أنه تركه في البر ونحو ذلك. فهؤلاء تجد منهم حسن القصد وصدق الورع، لا صواب العمل.
وأما حبسها دائما أبدا إلى غير غاية منتظرة، بل مع العلم أنه لا يرجى معرفة صاحبها، ولا القدرة على إيصالها إليه، فهذا مثل إتلافها، فإن الإتلاف إنما حرم لتعطيلها عن انتفاع الآدميين بها، وهذا تعطيل أيضا، بل هو أشد منه من وجهين:
(أحدهما) : أنه تعذيب للنفوس بإبقاء ما يحتاجون إليه من غير انتفاع به.
(الثاني) : أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لابد أن يستولي عليها
(الجزء رقم: 5، الصفحة رقم: 406)