فهرس الكتاب
وله دليلان قياسيان قطعيان ، كما ذكرنا من السنة والإجماع ، فإن ما لا يعلم بحال ، أو لا يقدر عليه بحال ، هو في حقنا بمنزلة المعدوم ، فلا نكلف إلا بما نعلمه ونقدر عليه .
وكما أنه لا فرق في حقنا بين فعل لم نؤمر به ، وبين فعل أمرنا به جملة عند فوت العلم أو القدرة- كما في حق المجنون والعاجز- كذلك لا فرق في حقنا بين مال لا مالك له ، أمرنا بإيصاله إليه ، وبين ما أمرنا بإيصاله إلى
(الجزء رقم: 5، الصفحة رقم: 404)
مالكه جملة إذا فات العلم به أو القدرة عليه . والأموال كالأعمال سواء . وهذا النوع إنما حرم ، لتعلق حق الغير به ، فإذا كان الغير معدوما أو مجهولا بالكلية أو معجوزا عنه بالكلية سقط حق تعلقه به مطلقا ، كما يسقط تعلق حقه به إذا رجي العلم به ، أو القدرة عليه ، إلى حين العلم والقدرة كما في اللقطة سواء ، كما نبه عليه صلى الله عليه وسلم بقوله: سنن أبو داود اللقطة (1709) ,سنن ابن ماجه الأحكام (2505) ,مسند أحمد بن حنبل (4/267) . فإن جاء صاحبها وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء .
فإنه لو عدم المالك انتقل الملك عنه بالاتفاق ، فكذلك إذا عدم العلم به إعداما مستقرا ، وإذا عجز عن الإيصال إليه إعجازا مستقرا .
فالإعدام ظاهر ، والإعجاز مثل الأموال التي قبضها الملوك- كالمكوس وغيرها- من أصحابها ، وقد تيقن أنه لا يمكننا إعادتها إلى أصحابها ، فإنفاقها في مصالح أصحابها من الجهاد عنهم أولى من بقائها بأيدي الظلمة يأكلونها ، وإذا أنفقت كانت لمن يأخذها بالحق مباحة ، كما أنها على من يأكلها بالباطل محرمة .
والدليل الثاني: (القياس) - مع ما ذكرناه من السنة والإجماع- أن هذه الأموال لا تخلو ؛ إما أن تحبس ، وإما أن تتلف ، وإما أن تنفق .