فهرس الكتاب
وبهذا يحصل الجواب عما فرضه أبو المعالي في كتابه [الغياثي] ، وتبعه من تبعه إذا طبق الحرام الأرض ولم يبق سبيل إلى الحلال ، فإنه يباح للناس قدر الحاجة من المطاعم ، والملابس ، والمساكن ، والحاجة أوسع من الضرورة ، وذكر أن ذلك يتصور إذا استولت الظلمة من الملوك على الأموال بغير حق ، وبثتها في الناس وإن زمانه قريب من هذا التقدير ، فكيف بما بعده من الأزمان ؟ !
وهذا الذي قاله فرض محال ، لا يتصور لما ذكرته من هذه (القاعدة الشرعية) فإن المحرمات قسمان:
محرم لعينه ، كالنجاسات: من الدم والميتة .
ومحرم لحق الغير ، وهو ما جنسه مباح من المطاعم ، والمساكن ، والملابس ، والمراكب ، والنقود ، وغير ذلك .
وتحريم هذه جميعها يعود إلى الظلم ، فإنها إنما تحرم لسببين:
(الجزء رقم: 5، الصفحة رقم: 403)
(أحدهما) : قبضها بغير طيب نفس صاحبها ، ولا إذن الشارع . وهذا هو الظلم المحض ، كالسرقة والخيانة ، والغصب الظاهر ، وهذا أشهر الأنواع بالتحريم .
(الثاني) : قبضها بغير إذن الشارع ، وإن أذن صاحبها ، وهي العقود والقبوض المحرمة ، كالربا ، والميسر ونحو ذلك .
والواجب على من حصلت بيده ردها إلى مستحقها ، فإذا تعذر ذلك فالمجهول كالمعدوم ، وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة: سنن أبو داود اللقطة (1709) ,سنن ابن ماجه الأحكام (2505) ,مسند أحمد بن حنبل (4/162) . فإن وجدت صاحبها فارددها إليه ، وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء .
فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن اللقطة التي عرف أنها ملك لمعصوم ، وقد خرجت عنه بلا رضاه ، إذا لم يوجد فقد آتاها الله لمن سلطه عليها بالالتقاط الشرعي .
وكذلك اتفق المسلمون على أنه من مات ولا وارث له معلوم فماله يصرف في مصالح المسلمين ، مع أنه لا بد في غالب الخلق أن يكون له عصبة بعيد ، لكن جهلت عينه ، ولم ترج معرفته .
فجعل كالمعدوم وهذا ظاهر .