والوجه الثاني: الإيثار على النفس، وهو أعرق في إسقاط الحظوظ وذلك أن يترك حظه لحظ غيره اعتمادا على صحة اليقين إصابة لعين التوكل وتحملا للمشقة في عون الأخ في الله على المحبة من أجله وهو من محامد الأخلاق وزكيات الأعمال، وهو ثابت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خلقه المرضي، وقد كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس بالخير وأجود ما كان في شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة وقالت له خديجة: إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق. وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير ثم
(الجزء رقم: 7، الصفحة رقم: 25)
قام إليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منه.
وجاءه رجل فسأله فقال: ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء قضيناه فقال له عمر رضي الله عنه: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وعرف البشر في وجهه وقال: بهذا أمرت ذكره الترمذي .
وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد، وهذا كثير. وهكذا كان الصحابة. وقد علمت ما جاء في تفسير قوله تعالى: سورة الإنسان الآية 8 وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا وما جاء في الصحيح في قوله: سورة الحشر الآية 9 وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وما روي عن عائشة وهو مذكور في باب الأسباب من كتاب الأحكام عند الكلام على مسألة العول على إسقاط الحظوظ، وهو ضربان:
إيثار بالملك من المال وبالزوجة بفراقها، لتحل للمؤثر، كما في حديث المؤاخاة المذكور في الصحيح.