فهرس الكتاب
فلما في هذا الحديث من الشذوذ فقد أعرض عنه الشيخان الجليلان أبو عبد الله أحمد بن حنبل ، فقد قال للأثرم وابن منصور: بأنه رفض حديث ابن عباس قصدا ؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد ، لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك ، والإمام محمد بن إسماعيل البخاري ذكر عنه البيهقي أنه ترك الحديث عمدا لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد ، ولا شك أنهما لم يتركاه إلا لموجب يقتضي ذلك .
( د ) أن حديث ابن عباس يتحدث عن حالة اجتماعية مفروض فيها أن تكون معلومة لدى جمهور معاصريها ، وتوفر الدواعي لنقلها بطرق متعددة مما لا ينبغي أن يكون موضع خلاف ، ومع هذا لم تنقل إلا بطريق أحادي عن ابن عباس فقط ، ولم يروها عن ابن عباس غير طاووس الذي قيل عنه بأنه يروي المناكير ، ولا يخفى ما عليه جماهير علماء الأصول من أن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي لنقله متوفرة ، ولم ينقله إلا واحد ونحوه أن ذلك يدل على عدم صحته ، فقد قال صاحب [ جمع الجوامع ] عطفا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر: والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله خلافا للرافضة . اهـ .
(الجزء رقم: 1، الصفحة رقم: 549)
وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: إذا انفرد واحد فيما يتوافر الدواعي على نقله وقد شاركه خلق كثير ، كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعا خلافا للشيعة . اهـ .
فلا شك أن الدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر ، من أن الطلاق الثلاث كانت تجعل واحدة متوفرة توافرا لا يمكن إنكاره ، ولا شك أن سكوت جميع الصحابة عنه حيث لم ينقل عنهم حرف واحد في ذلك غير ابن عباس ، يدل دلالة واضحة على أحد أمرين: إما أن المقصود بحديث ابن عباس ليس معناه بلفظ واحد ، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد ، وإما أن الحديث غير صحيح لنقله آحادا مع توفر الدواعي لنقله .