فهرس الكتاب

الصفحة 718 من 3663

وكم كان التشريح فيصلا بين حق وباطل ، وعدل وظلم ، فقد يتهم إنسان بقتل آخر بسبب دس السم له في الطعام ، ويشهد شهود الزور بذلك ، فيثبت التشريح أنه لا أثر للسم في الجسم ، وإنما مات الميت بسبب طبيعي فيبرأ المتهم ، ولولا ذلك لكان في عداد القاتلين أو المسجونين ، وقد يزعم مجرم ارتكب جريمة القتل ثم أحرق الجثة أن الموت بسبب الحرق لا غير ، فيثبت التشريح: أن الموت جنائي ، والإحراق إنما كان ستارا أسدل على الجريمة فيقتص من المجرم ، ولولا ذلك لأفلت من العقاب وبقي بين الناس جرثومة فساد . وهنا قد يثار حديث كرامة جسم الإنسان وما في كشفه وتشريحه من هوان فيظن جاهل أنه لا يجوز مهما كانت بواعثه ، ولكن بقليل من التأمل في قواعد الشريعة يعلم أن مدار الأحكام الشرعية على رعاية المصالح والمفاسد ، فما كان فيه مصلحة راجحة يؤمر به وما كان فيه مفسدة راجحة ينهى عنه ، فلا شك أن الموازنة بين ما في التشريح من هتك حرمة الجثة وما له من مصلحة في التطبيب والعلاج وتحقيق العدالة ، وإنقاذ البريء من العقاب ، وإثبات التهمة على المجرم الجاني تنادي برجحان هذه المصالح على تلك المفسدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت