فهرس الكتاب
فروض الكفاية التي أمر بها الشارع ، وحث عليها ، وحذر من التهاون فيها . ومن مقدمات فن الطب ، بل من مقوماته تشريح الأجسام ، فلا يمكن الطبيب أن يقوم بطب الأجسام وعلاج الأمراض بأنواعها المختلفة إلا إذا أحاط خبرا بتشريح جسم الإنسان علما وعملا ، وعرف أعضاءه الداخلية وأجزاءه المكونة لبنيته واتصالاتها ومواضعها وغير ذلك ، فهو من الأمور التي لا بد منها لمن يزاول الطب حتى يقوم بما أوجب الله عليه من تطبيب المرضى وعلاج الأمراض ، ولا يمتري في ذلك أحد ، ولا يقال: قد كان فيما سلف طب ، ولم يكن هناك تشريح ؛ لأنه كان طبا بدائيا لعلل ظاهرة ، وكلامنا في طب واف لشتى الأمراض والعلل ، والعلوم تتزايد ، والوسائل تنمو وتكثر .
وإذا كان شأن التشريح ما ذكر كان واجبا بالأدلة التي أوجبت تعلم الطب وتعليمه ومباشرته بالعمل على الأمة لتقوم طائفة منها به ، فإن من القواعد الأصولية: أن الشارع إذا أوجب شيئا يتضمن ذلك إيجاب ما يتوقف عليه ذلك الشيء ، فإذا أوجب الصلاة كان ذلك إيجابا للطهارة التي تتوقف الصلاة عليها ، وإذا أوجب بما أومأنا إليه من الأدلة على الأمة تعلم فريق منها الطب وتعليمه ومباشرته ، فقد أوجب بذلك عليهم تعلم التشريح وتعليمه ومزاولته عملا .
هذا دليل جواز التشريح من حيث كونه علما يدرس وعملا يمارس ، بل دليل وجوبه على من تخصص في مهنة الطب البشري وعلاج الأمراض ، أما التشريح لأغراض أخرى كتشريح جثث القتلى لمعرفة سبب الوفاة وتحقيق ظروفها وملابساتها ، والاستدلال به على ثبوت الجناية على القاتل
(الجزء رقم: 2، الصفحة رقم: 63)
أو نفيها عن متهم - فلا شبهة في جوازه أيضا إذا توقف عليه الوصول إلى الحق في أمر الجناية ؛ للأدلة الدالة على وجوب العدل في الأحكام حتى لا يظلم بريء ، ولا يفلت من العقاب مجرم أثيم .