وفي تعريف الطلاب تركيب الجسم وأعضائه الظاهرة والأجهزة الباطنة ومواضعها وحجمها صحيحة ومريضة ، وتدريبهم على ذلك عمليا وتعريفهم بإصاباتها وطرق علاجها - في هذا وغيره مما تقدم بيانه في الموضوع الثاني ، وما ذكر في فتوى فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف وما ذكره الأطباء - مصالح كثيرة تعود على الأمة بالخير العميم ، فإذا تعارضت مصلحة المحافظة على حرمة الميت مع هذه المصالح نظر العلماء أي المصلحتين أرجح فبني عليها الحكم منعا أو إباحة ، وقد يقال: إن مصلحة الأمة في مسألتنا أرجح لكونها كلية عامة ، ولكونها قطعية ، كما دل على ذلك الواقع والتجربة ، وهي عائدة إلى حفظ نفوس الناس وحفظها من الضروريات التي جاءت بمراعاتها وصيانتها جميع شرائع الأنبياء ، وقد وجدت نظائر لمسألة التشريح بحثها فقهاء الإسلام ، منها: المسائل الخمس التي تقدم ذكرها ، فقد بحثوها وبينوا الحكم فيها على ما ظهر لهم ، فمسألة تترس الكفار بأسرى المسلمين ونحوهم في الحرب رجح كثير منهم رمي الترس إيثارا للمصلحة العامة ، وكذا رجح كثير منهم شق بطن
(الجزء رقم: 2، الصفحة رقم: 79)
من ماتت وفي بطنها جنين حي ، وأكل المضطر لحم آدمي ميت ؛ إبقاء على حياته ، وإيثار الجانب الحي على الجانب الميت ، وبإلقاء أحد ركاب سفينة خيف عليهم الغرق ولا نجاة لهم إلا بإلقاء واحد منهم ، إيثارا لمصلحة الجماعة على مصلحة الواحد ، وقد سبق تفصيل ذلك ، فلا يبعد أن يقال يجوز التشريح إلحاقا له بهذه النظائر في الحكم .
وقد يقال: إن الحوادث كانت منذ كان الناس ، والطب قديم ، والحاجة إلى تشخيص الأمراض ومعرفة أسبابها وطرق علاجها كان في العهود الأولى ، ولم يتوقف شيء من ذلك على التشريح ؛ ولهذا لم يقدم الأطباء قديما على التشريح ، فلم نقدم عليه اليوم ؟ وقد أورد فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف هذا السؤال على نفسه وأوضحه ثم أجاب عنه في فتواه التي سبق ذكرها .