من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ، وبالبحث عن مسألة التشريح تبين أنها مندرجة تحت قواعد الشريعة العامة ، وراجعة إلى المصالح المعتبرة شرعا ، وأن لها نظائر من المسائل التي حكم فيها الفقهاء مع اختلاف نظرهم واجتهادهم فيها ، وهذا مما ينير الطريق ، ويهدي الباحث في مسألة التشريح ويساعده على الوصول إلى ما قد يكون صوابا إن شاء الله .
إن من قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها العامة: أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما ، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفاديا لأشدهما ، ومسألة التشريح داخلة في هذه القاعدة على كل حال ، فإن مصلحة حرمة الميت مسلما كان أو ذميا تعارضت مع مصلحة أولياء الميت والأمة والمتهم عند الاشتباه ، فقد ينتهي الأمر بالتشريح والتحقيق مع المتهم إلى إثبات الجناية عليه ، وفي ذلك حفظ لحق أولياء الميت ، وإعانة لولي الأمر على ضبط الأمن ، وردع لمن تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه
(الجزء رقم: 2، الصفحة رقم: 78)
الجريمة خفية ، وقد ينتهي الأمر بثبوت موته موتا عاديا ، وفي ذلك براءة المتهم ، كما أن في التشريح المرضي معرفة ما إذا كان هناك وباء ، ومعرفة نوعه ، فيتقى شره بوسائل الوقاية المناسبة ، وفي هذا المحافظة على نفوس الأحياء والحد من أسباب الأمراض ، وقد حثت الشريعة على الوقاية من الأمراض وعلى التداوي مما أصابها ، وفي هذا مصلحة للأمة ومحافظة على سلامتها وإنقاذها مما يخشى أن يصيبها جريا على ما اقتضت به سنة الله شرعا وقدرا .