أما الاستصحاب: فقال ابن رشد: وعمدة الفريق النافي لوجوب الحكم بها أن القسامة مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها:
فمنها: أن الأصل في الشرع ألا يحلف أحد إلا على ما علم قطعا ، أو شاهد حسا ، وإذا كان ذلك كذلك فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القتل ، بل قد يكونون في بلد والقتل في بلد آخر ؛ ولذلك روى البخاري عن أبي قلابة: أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس ثم أذن لهم فدخلوا عليه .
فقال: ما تقولون في القسامة ؟
فأضب القوم وقالوا: نقول: القسامة القود بها الحق ، قد أقاد بها الخلفاء .
فقال: ما تقول يا أبا قلابة ؟ - ونصبني للناس - فقلت: يا أمير المؤمنين ، عندك أشراف العرب ورؤساء الأجناد ، أرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا على رجل أنه زنى بدمشق ولم يروه أكنت ترجمه ؟ !
قال: لا .
قلت: أفرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا عندك على رجل أنه سرق
(الجزء رقم: 2، الصفحة رقم: 111)
بحمص ولم يروه أكنت تقطعه ؟
قال: لا . وفي بعض الروايات: قلت: فما بالهم إذا شهدوا أنه قتله بأرض كذا وهم عندك أخذت بشهادتهم ؟
قال: فكتب عمر بن عبد العزيز في القسامة: أنهم إذا أقاموا شاهدي عدل أن فلانا قتله ، ولا يقتل بشهادة الخمسين الذين أقسموا ، قالوا: ومنها: أن من الأصول أن الأيمان ليس لها تأثير في إشاطة الدماء ، ومنها: أن من الأصول أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر [ بداية المجتهد ] ( 2 / 427 ، 428 ) . .
والجواب عن هذا الدليل من وجوه:
أحدها: بأن التعليق في عدم اعتبار القسامة بأنها من قبيل الحلف على ما لا يعلمه الحالف وهو غير مشروع قد أجيب عنه بما يلي: