قال النسفي:" {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق} ، في الجهاد والصدقات {قربات} أسبابًا للقربة، {عند الله} ، وهو مفعول ثان ليتخذ {وصلوات الرسول} ، أي: دعاءه لأنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم كقوله: اللهم صل على آل أبى أوفى، {ألا إنها} أي النفقة، أو صلوات الرسول، {قربة لهم} قربة نافع وهذا شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفي التنبيه، والتحقيق المؤذين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك سيدخلهم الله في رحمته أي جنته وما في السين من تحقيق الوعد وما دل هذا الكلام على رضا الله عن المتصدقين وأن لصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها إن الله غفور يستر عيب المخل رحيم يقبل جهد المقل."
اعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغرمًا، بين أيضا أن فيهم قوما مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغنما" [2] ."
وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:"وقوله: {وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} ، هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، {أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ} أي: ألا إن ذلك حاصل لهم، {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم} " [3] .
وقال ابن حيان ـ رحمه الله ـ:"ولما ذكر تعالى من يتخذ ما ينفق مغرما ذكر مقابله وهو من يتخذ ما ينفق مغنمًا، وذكر هنا الأصل الذي يترتب عليه إنفاق المال في القربات وهو الإيمان بالله واليوم الآخر، إذ جزاء ما ينفق إنما يظهر ثوابه الدائم في الآخرة. وفي قصة أولئك اكتفى بذكر نتيجة الكفر وعدم الإيمان، وهو اتخاذه ما ينفق مغرما وتربصه بالمؤمنين الدوائر. والأجود تعميم القربات من جهاد وصدقة، والمعنى: يتخذه سبب وصل عند الله وأدعية الرسول، وكان يدعو للمصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم. كقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم صل على آل أبي أوفى) ، وقال تعالى: {وصل عليهم} ، والظاهر عطف"
(1) سورة التوبة، الآية: 99.
(2) مدارك التنزيل وحقائق التأويل، 1/ 704.
(3) تفسير القرآن العظيم، ص 903.