على ضوء هذه الآية فإن السبب الذي ذم به الأعراب، يقول تعالى: {الأعْرَاب} ، وهم سكان البادية والبراري {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} ، من الحاضرة الذين فيهم كفر ونفاق، وذلك لأسباب كثيرة، منها:
1ـ أنهم بعيدون عن معرفة الشرائع الدينية والأعمال والأحكام، فهم أحرى {وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} من أصول الإيمان وأحكام الأوامر والنواهي، بخلاف الحاضرة، فإنهم أقرب لأن يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فيحدث لهم -بسبب هذا العلم- تصورا من لطافة الطبع والانقياد وكل ذلك سببه مجالستهم لأهل الإيمان، فلذلك كانوا أحرى خيرًا من أهل البادية، وإن كان في البادية والحاضرة كفار ومنافقون، ففي البادية أشد، فمن سكن البادية جفا كما قاله
النبي - صلى الله عليه وسلم - [1] . وعن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة - رضي الله عنه: (أن رجلا أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقحة فأثابه منها بست بكرات فتسخطها الرجل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من فلان أهدى إلي لقحة فكأني أنظر إليها في وجه بعض أهله فأثبته منه بست بكرات فتسخطها لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا أن تكون من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي) [2] .
2ـ لم يبعث الله منهم رسولا وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [3] .
3ـ وأما قلة علمهم فذالك لقلة مجالستهم لأهل الإيمان؛ وبعدهم عن مشاهدة التنزيل، فعن الأعمش، عن إبراهيم قال: (جلس أعرابي إلى زيد بن صَوْحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوَنْد، فقال: والله إنّ حديثك ليعجبني، وإن يدك لَتُرِيبُني! فقال زيد: وما يُريبك من يدي؟ إنها الشمال! فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمينَ يقطعون أم الشمالَ؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله:(الأعرابُ أشدُّ كفرًا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزلَ الله على رسوله) [4] .
(1) سنن أبي داود 3/ 70, برقم: 2861، سنن الترمذي، 4/ 523 , برقم: 2256، وصححه الألباني.
(2) المستدرك على الصحيحين للحاكم، 2/ 71، برقم: 2365، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(3) سورة يوسف، الآية: 109.
(4) تفسير الطبري، 14/ 429، الدر المنثور، 4/ 266، تفسير الثعلبي، 5/ 82.