الصفحة 22 من 45

المبحث الثاني: هل الذم متعلق بالصفة أم بجنس الأعراب؟

وقوفًا عند الآية السابقة فإن الله تعالى قدم الأعراب بأنهم أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ولكن لا يستدل بهذه الآية على كل أعرابي، حيث إنه تعالى قال: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم} [1] .

ومما يلحظ بعد تفسير هذه الآية أن عطف الله تعالى هذه على ما قبلها هو بيان أن الذم تعلق بصفات الأعراب لا بجنسهم.

قال الرازي:"اعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغرمًا، بين أيضًا أن فيهم قوما مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغنما" [2] .

قال ابن سعدي رحمه الله:"وفي هذه الآية دليل على أن الأعراب كأهل الحاضرة، منهم الممدوح ومنهم المذموم، فلم يذمهم اللّه على مجرد تعربهم وباديتهم، إنما ذمهم على ترك أوامر اللّه" [3] .

قلت: كلام العلامة ابن سعدي ـ رحمه الله ـ ليس على إطلاقه فتعربهم وباديتهم في الغالب سبب لتركهم أوامر الله وبعدهم عنها ولذا كانوا أغلظ طباعًا وأشد جفاء، لحديث من سكن البادية جفا، فعن وهب بن منبه عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى أبواب السلطان افتتن) [4] .

فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

(1) سورة التوبة، الآية: 99.

(2) تفسير الرازي، 16/ 170.

(3) تفسير ابن سعدي، ص 349

(4) سبق تخريجه ص 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت