تميز الأعراب ببعض الصفات التي وهبها الله لهم ووصفهم بها رسوله , ولاشك أنها من الفخر عندهم بمكان فهو وصف من الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا يعني عدم التعالي ولا افتخار على غيرهم فذكر محاسن القوم هو من باب الاحتراز فقط، أما استغلال ذلك والانغماس في عادات الجاهلية فهذا الأمر لا يتحدث عنه إلا من نقص عقله ودينه، والاحتراز كما ذكره العلامة ابن عثيمين رحمه الله [1] ، وهو أن يتكلم الإنسان كلامًا يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين، ومثال ذلك في القرآن قوله تبارك وتعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [2] .
لما كان قوله: {أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} يوهم أن الآخرين ليس لهم حظ من هذا، قال: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} .
ومن ذلك قوله تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} .
لما كان هذا يوهم أن داود عنده نقص، قال تعالى: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْما} [3] .
ومن ذلك قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [4] .
فذكرنا لمحاسن الأعراب لا نعبر عنه بحال من الأحوال بهضم شرف الآخرين، إذ الأعراب أثنى عليهم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وهم في هذا الثناء متفاوتون عن بعض بسابقتهم للإسلام.
(1) شرح رياض الصالحين، 1/ 119.
(2) سورة الحديد، الآية: 10.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 79.
(4) سورة النساء، الآية: 95.