شؤون الحكم، وفيما لا يعنيه [1] .
كانت سياسة عمر بن عبد العزيز - يرحمه الله - التي ذكرها في أول لقاء له مع الرعية وأهل الحل والعقد في المسجد بعد بيعته، تسير على كتاب الله وسنة رسوله (- صلى الله عليه وسلم -، وكان بذل الوسع والاجتهاد في التوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم والتيسير عليهم بكل ما ليس فيه ما يخالف شرع الله، أمرًا سهلًا وغير معقد نسبيًا، فالمصالح والمفاسد واضحة والتداخل بينهما قليل بسبب بطء وتيرة التغير والتطور في واقع الناس، بينما الإشكال اليوم هو التداخل غير المسبوق بين المصالح والمفاسد، فيكاد أن لا توجد مصلحة إلاَّ ومعها مفسدة مصاحبة، ويكاد أن لا توجد مفسدة إلاَّ ومعها مصلحة مصاحبة، وبالجملة فليس هناك مصلحة محضة إلا الجنة؛ وليس هناك مفسدة محضة إلا النار، وما سواها تَعْتَوِره المصالح والمفاسد زيادة ونقصا، كما أن سرعة التغيرات المادية والفكرية في هذا العصر تفوق قدرة الحكومات في استحداث ما يناسب من أنظمة وسياسات وإلغاء غير المناسب منها بالسرعة المطلوبة، بالإضافة إلى ضعف قدرة المجتمعات على تطوير عادات وتقاليد جديدة تحفظ للمجتمع عقيدته وأخلاقه وهويته ومصالحه إزاء تلك الأمور الحادثة وبنفس وتيرتها المتسارعة، فالوقت المتاح لجلب المصلحة في الأعمال قبل أن يتغير محلها فيتغير حكمها أقل بكثير عمَّا كان الأمر عليه قبل مئة سنة على سبيل المثال، فيترتب على ذلك نقص في العمل وزيادة في الحرج والمشقة وكثرة الاختلافات على أمور كانت في السابق محل وفاق، جاء فيما رواه ِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (- رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (- صلى الله عليه وسلم -"يَتَقَارَبُ اَلزَّمَانُ وَيَنْقُصُ اَلْعَمَلُ، وَيُلْقَى اَلشُّحُّ وَتَظْهَرُ اَلْفِتَنُ" [2] .
فالدولة تجد اليوم صعوبة ومشقه في تحصيل التوازن السليم بين المصالح، فمن جهة إذا منع ولي الأمر كل مصلحة لأجل درء المفسدة المصاحبة ضيَّق على الناس، وفي المقابل إذا سمح بكل مفسدة لأجل جلب المصلحة المصاحبة أفسد الناس؛ الأمر الذي جعل الموازنة بين المصالح والمفاسد أكثر تعقيدًا، ويتطلب درجة أعلى من العلم وعددًا أكبر من التخصصات بالإضافة إلى مستوى أعلى من التجربة، ولا يزال وضع الأولويات الحكومية حسب مصالح الرعية محل اختلاف وجهات النظر بين المؤثرين والمتأثرين.
(1) الصلابي، علي محمد (2007م) ، عهد عمر بن عبد العزيز: نموذج أموي، الأربعاء 21 رمضان 1428 الموافق 03 أكتوبر 2007، http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-42 - 10445.htm ، 19 ذو القعدة، 1432هـ.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (157) بعد الحديث رقم (2672) , وأخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس (85) ، وفي كتاب الفتن، باب ظهور الفتن (7061) , وأبو داود في كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها (4255) , وابن ماجه في كتاب الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم (4052) , وأحمد (2/ 417) .