الأصل في المفاسد والشرور أن تقيد وتضبط؛ صار الأصل في الأنظمة والتنظيمات الدخول على المفاسد والشرور بما يكفل الدرء والرفع أو التخفيف؛ فالأصل في المفاسد التقييد.
-... سابعًا: الأصل في الأنظمة أن تأتي على النمط التوفيقي و العلاجي والتعويضي ولا يتحول إلى النمط العقابي إلا لضرورة أو حاجة تنزل منزلة الضرورة؛ فلا نكاية في الشريعة.
-... ثامنًا: أن كمية الأنظمة والتنظيمات تضبط بحسب المقدار الكافي لرفع المفاسد والشرور الحادثة، وتقدر بقدرها؛ فما جاز للحاجة يقدر بقدرها.
-... تاسعًا: لما كان الأصل في الأنظمة والتنظيمات عدمها؛ صار الأصل أن تؤقت الأنظمة والتنظيمات لتلغى وتنتهي بانتهاء الحاجة أو الضرورة الداعية لها، فمتى رفع المانع عاد الممنوع.
-... عاشرًا: أن جميع الأنظمة في دولة الشريعة أحكام مستأنفة بالوازع السلطاني لخدمة الوازع الديني و تنفيذ أحكامه.
إن المتدبر للسياسة الشرعية التي عمل بها الخلفاء الراشدون و من تبعهم بعدل وإحسان من الخلفاء والأئمة الملوك والأمراء والولاة، و المتدبر لسيرة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - يرحمه الله - سيجد صدق فراسته في تحديد سبب فساد الحكومة والدولة حين قال:"وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها (- عز وجل - ولا في نبيها (- صلى الله عليه وسلم - ولا في كتابها، وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم، وإني والله لا أعطى أحدا باطلًا، ولا أمنع أحدًا حقًا" [1] ، و سيجد أن عمر قد شخص الداء إجرائيًا بقوله:"إنما هلك من كان قبلنا بحبسهم الحق حتى يشترى منهم، وبسطهم الظلم حتى يفتدى منهم" [2] ، وهو بذلك يشير إلى السياسات والتعيينات التي أحالت الانتماء لدولة
(1) ابن الجوزي، (1331هـ) تحقيق محب الدين الخطيب، مرجع سابق، ص ص 51 - 57.
(2) ابن الجوزي، (1405هـ) سيرة ومناقب عمر بن عبدالعزيز، تحقيق السيد الجميلي، مرجع سابق، ص ص:296.