الصفحة 65 من 74

الشريعة إلى ولاءات شخصية، فقد كان بعض من سبقوه من أقرانه في سياستهم المالية وتعييناتهم الوظيفية، قد حولوا الانتماء إلى دولة الشريعة إلى ولاءات لشخص الحاكم، ثم جاء عمر فنقض كل تلك الولاءات الشخصية بسياسته المالية وتعييناته الوظيفية و رده للمظالم واستحدثه في سبيل ذلك نظم وتنظيمات، فعاد الناس إلى الأصل وهو الانتماء إلى دولة الشريعة.

وبذلك يكون الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - يرحمه الله - قد فاق أقرانه في الفهم الدقيق والإدراك العميق للوظيفة الأساس التي يختص بها الخليفة والإمام الأكبر دون بقية أعضاء دولته وحكومته وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالسياسة الشرعية للدولة، و هي: حماية الرعية من تجاوزات الحكومة ومسؤوليها؛ فتراه قد بدأ عهده بمثال عملي على سياسته في التعيينات الوظيفية، وهي تعيين القوي الأمين، فكان يعيين الموظفين لله ويعزلهم في الله دون هوى أو تشفي، حتى انقطع غشم مسؤولي الدولة على الناس، وزال الحرج عن الرعية في معاشها وأعمالها. فكان من أوائل قراراته تلك، عزل خالد الريان قائد حرس الخليفة الوليد بن عبد الملك، فقال له:"يا خالد ضع السيف عنك، اللهم إني قد وضعت لك خالد الريان، اللهم لا ترفعه أبدًا"- فلم يُرَ شريفًا خمد ذكره حتى لا يذكر، حتى إن كل الناس ليقولون، ما فعل خالد، أحي هو أم قد مات - ثم نظر عمر في وجوه الحرس، فدعا عمرو بن مهاجر الأنصاري، فقال:"والله إنك لتعلم يا عمرو أنه ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام، ولكني سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلي في موضع تظنّ أن لا يراك أحد، فرأيتك حسن الصلاة؛ خذ هذا السيف قد وليتك حرسي" [1] .

و ما ذاك من عمر إلا لحماية مصالح الرعية المعتبرة وحرياتهم المشروعة من أن تنتقص أو تقيد أو يعتدى عليها، فلم يكن همه مجرد حماية المؤسسات الحكومية أو المحظية من سخط وانتقادات الرعية المبررة بالبراهين والأدلة الشرعية، وتفطن عمر بحاذق فكره وفراسة المؤمن أن أخطر الاعتداءات على حريات وحقوق الرعية ليس آتٍ من قِبَلِ أفراد الناس والمسؤولين، وإنما من قِبَلِ السياسات و القوانين الوضعية التي يصيغونها، فوضع عمر سياسة شرعية وأنظمة وتنظيمات اجتهادية لعلاج تجاوزات الأفراد والجهات، والقوانين والسياسات، قَعَّدَ لذلك وأحكم صياغتها في مقولته المشهورة"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"و الحق أن عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - نجح وتميز في جميع ذلك جهدًا وقصدا، وأداءً وعملا.

وكان تميز الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - في إلغاء أقضية فاسدة وتجديد أمر هذا الدين وليس في مجرد استحداث أقضية جديدة.

وكان تميز الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - في تقوية العدل وأهل الصلاح بين الناس وفي الدولة وليس مجرد منع حدوث فساد جديد أثناء ولايته.

(1) ابن الجوزي، مرجع سابق، ص ص:67 - 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت