تقييد المباح
الأصل في الأنظمة التي تأتي على وفق الاحتياط للمصلحة أن تكون داخل دائرة المباح فعله، فالمصالح المعتبرة كدليل مشروعية ذات حدَّين، حدّ متعلق بتصرفات الإمام و حدّ متعلق في المتصرَّفِ فيه، فهي من جهةٍ أساسٌ يستند إليه ولي الأمر في تقييد المباح، وهي من الجهة الأخرى ضابط يستند إليه ولي الأمر في عدم تجاوز ما يباح له فعله [1] .
وقد عبر بعض الكتاب المعاصرين [2] عن تقييد المباح باصطلاحات متعددة منها:"إيقاف العمل المباح"و"منع المباح"و"تقييد المباح"و"تعطيل المباح"و"الامتناع عن المباح"وجميعها تتفق في المعنى الذي هو ترجيح أحد طرفي الإباحة؛ حيث إن المباح ليس مباحًا بإطلاق؛ لأن تناوله أو الإحجام عنه تتعلق به حقوق الآخرين، ولا بد من مراعاتها، مما يستوجب منع المباح تارة والأمر به تارة أخرى بحسب ما يؤول إليه التناول أو الإحجام بحسب الحال والمكان والزمان. وهذا المنع أو الأمر، ليس على سبيل الدوام فهو مؤقت باستمرار الحاجة أو الضرورة الداعية لترجيح أحد طرفي الإباحة، وهكذا فإن تقييد المباح هو ترجيح بعض الخيارات لأسباب معقولة ومؤقتة على سبيل الأمر أو الحث ما لم يوجد مانع شرعي من نص خاص أو قاعدة كلية أو ضابط. [3]
و بذلك يدخل في دائرة المباح تغير الأحكام بتغير الحال والمكان والزمان وفق ضوابط التغير الشرعية، فعندما يتخلف مقصود الحكم الشرعي عنه، سواء المندوب أو الواجب أو المكروه أو المحرم، لزم ولي الأمر وهو المنوط به بحكم الولاية العامة صيانة تحقيق المقاصد الشرعية الخمسة ورعايتها وأعلاها حفظ الدين، بأن يتدخل بتصرف يعيد تحقيق المقصود الشرعي من الحكم.
وهذا التصرف من قِبل ولي الأمر يعد من أمور السياسة الشرعية؛ فولي الأمر وهو يقيد الإباحة لا
(1) بتصرف، اللاوي، البشير بن المكي عبد (1414هـ) ، سلطة ولي الأمر في تقييد المباح، أطروحة دكتوراه حلقة ثالثة، المعهد الأعلى للشريعة، جامعة الزيتونة، تونس (ص:195) .
(2) ابن عاشور، كشف المغطى، (ص:179) ، و الدريني، خصائص التشريع الإسلامي، (ص:311) ، القرضاوي، شريعة الإسلام، (ص:40) ، وابن إبراهيم، الاجتهاد وقضايا العصر، (ص:284 - 286) ، الزحيلي، الفقه الإسلامي، (ج:5،ص:505) .
(3) اللاوي، (1414هـ) ،نفس المرجع، ص ص 78 - 79.